حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
حديقة
الأمير الحسن للعلوم في إربد.. حين تخرج المعرفة من الصفوف إلى فضاء الحياة
نيروز
– محمد محسن عبيدات
في إربد،
حيث تتجاور الحقول مع الحكايات، وتعيش المعرفة في ذاكرة مدينة عرفت منذ زمن بعيد بأنها
مدينة العلم والثقافة والجامعات، جاءت حديقة الأمير الحسن بن طلال للعلوم لتضيف إلى
المشهد صفحة جديدة من صفحات العلاقة بين الإنسان والعلم.
ففي قلب
حديقة الورود بمنطقة النزهة، لم تعد الحديقة مجرد مساحة خضراء يقصدها الناس للراحة
والتنزه، بل تحولت إلى فضاء مفتوح تتحدث فيه النماذج العلمية بلغة بسيطة، وتتحول فيه
المعلومة من فكرة مكتوبة على صفحات الكتب إلى تجربة يمكن للطالب أن يراها ويلمسها ويكتشف
أسرارها بنفسه.
ومندوبا
عن سمو الأمير الحسن بن طلال، افتتح رئيس الوزراء الأسبق ورئيس مجلس إدارة مؤسسة إعمار
إربد الدكتور عبدالرؤوف الروابدة، حديقة الأمير الحسن بن طلال للعلوم، لتكون معلما
تعليميا وترفيهيا جديدا، وأول نموذج من هذا النوع على مستوى محافظة إربد وإقليم الشمال.
ويحمل
المشروع في تفاصيله أكثر من معنى؛ فهو ثمرة تعاون مؤسسي جمع بلدية إربد الكبرى، والمجلس
الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ومؤسسة إعمار إربد، ووزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد
البشرية، في صورة تعكس أهمية الشراكة عندما تلتقي الرؤية الوطنية مع حاجات المجتمع.
وقد تولى
المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا تمويل تجهيز وتوريد التطبيقات والأدوات العلمية
للحديقة بكلفة بلغت نحو 90 ألف دينار، إلى جانب تمويل أعمال حجز وصيانة وتجهيز المدخل
والغرفة الرئيسية في مبنى المكتبة القائمة ضمن الحديقة، وتزويدها بالكراسي وشاشة العرض
وجهاز الحاسوب بكلفة بلغت 3500 دينار، لتكون مساحة إضافية لعرض الأفلام والمواد التوعوية،
ومنها ما يرتبط بمحاربة المخدرات والعنف.
وخلال
حفل الافتتاح، نقل الدكتور عبدالرؤوف الروابدة تحيات سمو الأمير الحسن بن طلال ومباركته
لهذا الإنجاز، مؤكدا أن الحديقة تمثل تعبيرا عن الاهتمام بالعلم والمعرفة، ودعما للإبداع
والتميز، كما تأتي امتدادا لفلسفة جائزة الحسن بن طلال للتميز العلمي التي يتولاها
المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا منذ عام 1995.
ولعل أجمل
ما في الفكرة أن العلم هنا لا يأتي في صورة درس تقليدي، ولا يقف خلف جدران الصفوف،
وإنما يخرج إلى الناس، ويقترب من الأطفال والشباب، ويتحول إلى لعبة واكتشاف وتجربة
ودهشة. وهي الفكرة التي تجعل من الحديقة هدية معرفية لأبناء إربد وإقليم الشمال، ومساحة
مفتوحة يمكن فيها للطالب أن يسأل ويجرب ويخطئ ويعيد المحاولة حتى يصل إلى المعرفة بنفسه.
من جانبه،
أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا الدكتور مشهور الرفاعي أن تمويل
وتجهيز الحديقة بالتقنيات والنماذج العلمية الحديثة يأتي في إطار ترجمة توجيهات سمو
الأمير الحسن بن طلال في نشر الثقافة العلمية ورعاية الموهوبين.
وأشار
إلى أن الحديقة تمثل ثمرة عمل متواصل، وتمتاز بإدخال تطبيقات تكنولوجية حديثة تحاكي
متطلبات العصر، وتتناول موضوعات مرتبطة بعلوم الذكاء الاصطناعي، لتأتي امتدادا للتجربتين
السابقتين في السلط والشوبك، ولتقدم مساحة للحوار والتفاعل، وأداة تعليمية تسهم في
تعزيز الابتكار وتجديد النشاط في بيئة تجمع بين المعرفة والخدمات والترفيه.
أما رئيس
بلدية إربد الكبرى المهندس عماد العزام، فأكد أن المشروع جاء ضمن أعمال إعادة تأهيل
حديقة الورود، بهدف توفير بيئة تعليمية تفاعلية خارج الغرف الصفية، تخدم طلبة المدارس
والكليات والجامعات، وتفتح أمامهم نافذة جديدة على العلوم والتكنولوجيا.
ولا تتوقف
رسالة الحديقة عند حدود المكان؛ إذ تمتد خدماتها لتشمل مدارس وزارة التربية والتعليم
ومدارس وكالة الأونروا ومدارس الثقافة العسكرية في مختلف مناطق إقليم الشمال، بما يجعلها
مشروعا تعليميا مفتوحا أمام شريحة واسعة من الطلبة، فضلا عن مساهمتها في توفير فرص
عمل لأبناء المنطقة والاستثمار في طاقات الشباب.
وفي هذا
السياق، تبدو الشراكة التي صنعت المشروع واحدة من أهم عناصر نجاحه؛ فحين تضع البلدية
المكان، ويوفر المجلس العلمي المعرفة والتقنيات، وتدعم المؤسسات الوطنية الفكرة، يصبح
المشروع أكبر من مجرد حديقة، ويتحول إلى نموذج عملي لما يمكن أن تصنعه المؤسسات عندما
تتكامل أدوارها حول هدف يخدم الإنسان والمجتمع.
ومن جهته،
رأى المدير التنفيذي لمؤسسة إعمار إربد المهندس منذر البطاينة أن افتتاح الحديقة لا
يمثل مجرد إضافة مساحة خضراء جديدة، وإنما يجسد رؤية تقوم على توفير بيئة تعليمية وحياتية
متكاملة تليق بالطلبة والكوادر المختلفة، مؤكدا الحرص على أن تكون الحديقة متنفسا حيويا
يجمع جمال الطبيعة براحة الفكر، ويعزز التفاعل الإيجابي والابتكار خارج القاعات الدراسية.
ويكتسب
المشروع خصوصيته من موقعه أيضا؛ ففي مدينة ارتبط اسمها بالجامعة والكتاب والمثقف والمعلم
والباحث، تأتي هذه الحديقة لتقول إن التعليم ليس محصورا في الكتاب، وإن المدرسة يمكن
أن تمتد إلى الشارع والحديقة والمتحف والمختبر، وإن الطفل يستطيع أن يتعلم من الضوء
والصوت والماء والحركة والطاقة، بقدر ما يتعلم من السبورة والكتاب.
وقد شهد
حفل الافتتاح حضور رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عدنان بدران، ووزير التربية والتعليم
وتنمية الموارد البشرية الدكتور عزمي محافظة، ووزير الزراعة الدكتور صائب خريسات، ومحافظ
إربد فراس أبو الغنم، ورئيس غرفة تجارة إربد محمد الشوحة، ورئيس جامعة اليرموك الدكتور
مالك الشرايري، إلى جانب عدد من الوزراء السابقين والمسؤولين والمهتمين.
وهكذا،
تفتح حديقة الأمير الحسن بن طلال للعلوم أبوابها في إربد لا باعتبارها مكانا جديدا
للزيارة فحسب، بل باعتبارها فكرة قابلة للحياة؛ فكرة تقول إن المعرفة يمكن أن تكون
ممتعة، وإن العلم يستطيع أن يمشي بين الناس، وإن الطفل حين يلمس التجربة بعينيه ويديه،
قد يبدأ رحلة طويلة نحو الاكتشاف.
وفي مدينة
تعتز بتاريخها العلمي والثقافي، ربما تكون أجمل صورة للمستقبل أن نرى أبناءها الصغار
وهم يركضون بين نماذج العلوم، يسألون عن سر الصوت والضوء والطاقة والحركة، ويتأملون
تطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فهناك، بين شجرة وظاهرة علمية وتجربة تفاعلية،
يمكن أن تولد فكرة عالم صغير، أو باحث قادم، أو مخترع لم يكتشف بعد أنه يحمل في داخله
بذرة السؤال.
إنها ببساطة
حديقة للعلوم، لكنها في معناها الأعمق حديقة للأسئلة والأفكار والأحلام؛ وحين تتحول
الحديقة إلى مساحة للمعرفة، تصبح المدينة كلها أقرب إلى المستقبل.