حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
من باريس إلى براغ.. جلالة الملك عبدالله الثاني
يحمل الأردن إلى قلب أوروبا
نيروز - محمد محسن عبيدات
في زمن تتزاحم فيه الأزمات على أبواب المنطقة،
وتتعقد فيه خرائط السياسة والأمن والاقتصاد، لا تبدو الزيارات الملكية مجرد محطات بروتوكولية
أو لقاءات عابرة بين قادة الدول، بل تتحول إلى مساحات واسعة للدبلوماسية والعمل السياسي
وبناء الشراكات وحماية المصالح الوطنية.
ومن هنا تكتسب الجولة الملكية الأخيرة لجلالة
الملك عبدالله الثاني إلى فرنسا وجمهورية التشيك أهمية خاصة، ليس فقط بما حملته من
لقاءات واتفاقيات ومباحثات، وإنما بما عكسته من حضور أردني فاعل في المشهدين الأوروبي
والإقليمي، وفي وقت شديد الحساسية يحتاج فيه الأردن إلى توسيع شبكة علاقاته وشراكاته
الدولية، والدفاع عن مصالحه الوطنية، وتعزيز أمنه واستقراره ومكانته السياسية.
فمن باريس إلى براغ، كان الأردن حاضرا بملفاته
الوطنية، وبصوته السياسي، وبقراءته لتطورات المنطقة، وبحرصه على أن تبقى المملكة شريكا
فاعلا في صناعة الاستقرار، لا مجرد متلق لتداعيات الأزمات.
باريس.. شراكة تتجاوز حدود
السياسة
في باريس، التقى جلالة الملك عبدالله الثاني
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مباحثات تناولت العلاقات الأردنية الفرنسية وسبل
تطويرها، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية.
وكان من أبرز مخرجات الزيارة توقيع اتفاقية
تعاون في مجال الدفاع بين الأردن وفرنسا، وصفها البيان المشترك بين البلدين بأنها محطة
مهمة في توطيد الشراكة الدفاعية، وتوفر إطارا شاملا لتنظيم مختلف أوجه التعاون الدفاعي
والأمني، ودعم تطوير القدرات الدفاعية للأردن وتعزيز الإسهام المشترك في الأمن والاستقرار
الإقليمي.
وهنا تبرز أهمية الاتفاقية بالنسبة للأردن
في بعدها الاستراتيجي؛ فالتعاون الدفاعي لا يرتبط فقط بالمعدات والتدريب والخبرات،
بل يتصل أيضا بتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة، وتوسيع
قنوات التعاون مع دولة أوروبية مؤثرة.
كما أن تأكيد الرئيس الفرنسي دعم الإجراءات
التي يتخذها الأردن لحماية أمنه وسلامة مواطنيه يحمل أهمية سياسية في مرحلة إقليمية
شديدة التعقيد.
الأردن.. دولة حاضرة في قضايا
المنطقة
ولم تكن باريس مجرد محطة للعلاقات الثنائية،
فقد احتضنت أيضا جولة جديدة من اجتماعات العقبة، التي ترأسها جلالة الملك والرئيسان
الفرنسي واللبناني، وركزت على دعم الجيش اللبناني.
وهذه المحطة تعكس جانبا مهما من الدور الأردني
في الإقليم؛ فالأردن، بحكم موقعه وتجربته وعلاقاته، يواصل الدفع باتجاه دعم مؤسسات
الدولة وتعزيز قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، التقى جلالة الملك الرئيس
اللبناني جوزاف عون، مؤكدا وقوف الأردن إلى جانب لبنان، فيما شكل اجتماع العقبة منصة
لتنسيق الدعم الدولي للجيش اللبناني.
إن أهمية هذا الدور لا تكمن فقط في انعكاساته
على لبنان، وإنما في الرسالة الأوسع التي يحملها: أن استقرار الدول العربية ومؤسساتها
الوطنية جزء من استقرار المنطقة بأكملها.
فلسطين والقدس.. القضية التي
لا تغيب
وكما في كل تحرك دبلوماسي أردني، حضرت القضية
الفلسطينية والقدس في صلب المباحثات.
فالأردن يواصل التأكيد على حل الدولتين، وعلى
إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعلى رفض التهجير ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي
والجغرافي، إلى جانب الدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية
والمسيحية في القدس.
وهذه ليست قضية سياسية عابرة بالنسبة للأردن،
بل ملف يرتبط بموقع المملكة ودورها التاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية
في القدس، وبثوابت السياسة الأردنية تجاه القضية الفلسطينية.
ومن باريس إلى براغ، استمر هذا الحضور في
الخطاب الملكي، حيث حذر جلالة الملك من إجراءات الضم وتوسيع الاستيطان والانتهاكات
التي تتعرض لها المقدسات في القدس.
الأمن الأردني.. أولوية ثابتة
في الإقليم المضطرب، لا يمكن فصل السياسة
الخارجية عن الأمن الوطني. وقد كان واضحا في الخطاب الملكي خلال الجولة
أن أمن الأردن وسيادته وسلامة مواطنيه تمثل أولوية أساسية. وفي براغ، أكد جلالة الملك أن الأردن مستمر
في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه، داعيا في الوقت ذاته
إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب توسع دائرة الصراع. وهنا تكمن إحدى الرسائل المهمة للجولة: الأردن
لا يريد أن يكون ساحة للصراع، ولا يريد للمنطقة أن تنزلق إلى مزيد من التصعيد، ولذلك
يجمع الخطاب الملكي بين حماية الأمن الوطني والدفع نحو الحلول الدبلوماسية.
براغ.. بوابة جديدة للتعاون
الأوروبي
ومن باريس انتقلت الجولة الملكية إلى براغ،
في زيارة رسمية بدعوة من الرئيس التشيكي بيتر بافيل، رافقت خلالها جلالة الملكة رانيا
العبدالله جلالة الملك.
وفي العاصمة التشيكية، التقى جلالة الملك
الرئيس بيتر بافيل ورئيس الوزراء أندريه بابيش، وتركزت المباحثات على توسيع آفاق التعاون
بين الأردن والتشيك وتبادل الخبرات في قطاعات حيوية، إلى جانب بحث التطورات الإقليمية.
وهنا يمكن النظر إلى المحطة التشيكية باعتبارها
جزءا من سياسة أردنية أوسع تقوم على تنويع الشراكات الأوروبية وتوسيع دائرة التعاون،
بما يفتح المجال أمام فرص جديدة في الاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه والدفاع والتكنولوجيا.
الاقتصاد.. الوجه الآخر للدبلوماسية
الملكية
الدبلوماسية الحديثة لا تتحرك بالسياسة وحدها؛
فالاقتصاد والاستثمار والطاقة والمياه أصبحت جزءا أساسيا من قوة العلاقات الدولية. وقد أكد الأردن وفرنسا رغبتهما في توسيع التعاون
الاقتصادي وتطوير شراكات اقتصادية متبادلة المنفعة. كما شمل الحوار ملفات ترتبط بالمياه
والتجارة وسلاسل الإمداد.
أما في براغ، فقد جرى التأكيد على أهمية البناء
على العلاقات القائمة ومواصلة تبادل الخبرات في القطاعات الحيوية.
وهذه الملفات تحمل أهمية مباشرة للأردن، خصوصا
في ظل الحاجة إلى استقطاب الاستثمارات، وتوسيع الأسواق، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا
الأوروبية، وتعزيز التعاون في قطاعات تمس التنمية الوطنية بصورة مباشرة.
فكل علاقة سياسية ناجحة يمكن أن تتحول، إذا
أحسن استثمارها، إلى فرصة اقتصادية، وكل اتفاقية تعاون يمكن أن تصبح مدخلا لمشروعات
وشراكات يستفيد منها المواطن والاقتصاد الوطني.
الصناعات الدفاعية.. من الاستيراد
إلى الشراكة والخبرة
ومن المحطات اللافتة في براغ اجتماع جلالة
الملك مع رؤساء عدد من الشركات التشيكية المتخصصة في الصناعات الدفاعية، حيث جرى بحث
تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في المجالات الدفاعية والصناعات العسكرية، واطلع جلالته
على معدات وتقنيات طورتها تلك الشركات.
وهذه الخطوة تفتح بابا مهما أمام التفكير
في مستقبل التعاون الصناعي والتقني، خصوصا إذا انتقلت العلاقات من مجرد شراء المنتجات
إلى مجالات أوسع تشمل التدريب وتبادل المعرفة والشراكات والاستثمار ونقل الخبرات، وفق
ما تسمح به الاتفاقيات والمصالح المشتركة.
المياه.. معركة الأردن الصامتة
وإذا كانت المنطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية
متصاعدة، فإن الأردن يواجه تحديا استراتيجيا آخر لا يقل أهمية، هو شح المياه.
ولهذا فإن حضور ملف المياه في العلاقات مع
الدول الأوروبية يحمل أهمية كبيرة، لأن الأمن المائي أصبح جزءا من الأمن الوطني والتنمية
الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا فإن أي تعاون دولي في التكنولوجيا
المائية، وإدارة الموارد، وتحسين الكفاءة، وتطوير البنية التحتية، يمكن أن يتحول إلى
قيمة مضافة حقيقية للمملكة.
الأردن.. صورة دولة مستقرة
في منطقة مضطربة
ربما يكون من أهم ما تحمله الجولة الملكية
من دلالات أن الأردن استطاع أن يحافظ على حضوره كدولة تتحدث مع الجميع، وتفتح أبواب
التعاون، وتطرح رؤيتها، وفي الوقت ذاته تتمسك بأمنها وسيادتها وثوابتها.
ففي باريس، الأردن شريك في ملفات الدفاع والاستقرار
ولبنان.
وفي براغ، شريك في الحوار السياسي والتعاون
الاقتصادي والدفاعي.
وفي المحطة التالية في نيويورك، ينتقل الصوت
الأردني إلى الأمم المتحدة، حيث يشارك جلالة الملك في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين
للجمعية العامة للأمم المتحدة ويلقي خطاب الأردن.
وهكذا تتصل المحطات الثلاث في مسار واحد:
العلاقات الثنائية، والدور الإقليمي، والحضور الدولي.
الملكية الدبلوماسية.. حضور
الأردن خارج حدوده
من الصعب النظر إلى هذه الجولة باعتبارها
مجرد جدول زيارات.
فالمشهد الأوسع يظهر تحركا دبلوماسيا يسعى
إلى بناء شبكة علاقات وشراكات تخدم الأردن في مجالات متعددة: الأمن والدفاع، السياسة،
الاقتصاد، الاستثمار، المياه، الطاقة، التكنولوجيا، والتعاون الدولي.
والقوة هنا ليست في كثرة اللقاءات، وإنما
في القدرة على تحويل اللقاءات إلى تفاهمات واتفاقيات ومشروعات وبرامج تعاون.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للمؤسسات الوطنية
بعد الزيارات الملكية: أن تترجم الاتفاقيات إلى خطط، والفرص إلى مشاريع، والتفاهمات
إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
الأردن أولا.. في قلب الحركة
الدولية
لقد حمل جلالة الملك إلى باريس وبراغ صورة
الأردن الذي يعرف ماذا يريد من شراكاته الدولية، وفي الوقت نفسه يعرف ماذا يستطيع أن
يقدم لشركائه.
الأردن ليس دولة كبيرة من حيث المساحة أو
الموارد، لكنه يمتلك موقعا جغرافيا بالغ الأهمية، وتجربة سياسية ودبلوماسية، ومؤسسات
دولة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية، وشبكة علاقات دولية واسعة، إضافة إلى دور تاريخي في
ملفات المنطقة.
ومن هنا فإن توسيع الشراكات مع فرنسا والتشيك
وغيرهما من الدول الأوروبية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره نشاطا دبلوماسيا فقط، بل
باعتباره استثمارا في المستقبل الوطني، إذا ما جرى تحويل مخرجاته إلى برامج عملية.
الخاتمة.. حين يسافر الملك
ويبقى الأردن حاضرا
في كل رحلة ملكية يغادر فيها جلالة الملك
أرض الوطن، يبقى الأردن حاضرا في كل كلمة ومباحثة واتفاق ولقاء.
ومن باريس إلى براغ، لم يكن الحضور الأردني
بحثا عن الأضواء، بل عن المصالح؛ ولم تكن الدبلوماسية مجرد صور ومراسم، بل محاولة لبناء
جسور جديدة في عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة.
إن قيمة هذه الجولة الملكية تكمن في اتساع
دوائرها: أمن يحمي الوطن، ودبلوماسية تدافع عن مصالحه، وشراكات تعزز قدراته، واقتصاد
يبحث عن الفرص، ومياه وطاقة وتكنولوجيا تحتاج إلى التعاون، وقضية فلسطينية ومدينة القدس
حاضرتان في الخطاب الأردني، ودور إقليمي يقوم على دعم الاستقرار والحوار.
والأهم أن نجاح أي جولة خارجية لا يقاس فقط
بما يحدث في قاعات الاجتماعات، وإنما بما يحدث بعد العودة إلى أرض الوطن؛ عندما تتحول
الاتفاقيات إلى مشاريع، والشراكات إلى فرص، والخبرات إلى معرفة، والعلاقات السياسية
إلى مصالح اقتصادية وتنموية، ويصبح المواطن هو المستفيد الأول من ثمار الدبلوماسية.
وهكذا تبقى الرحلة الملكية، في جوهرها، رحلة
من أجل الأردن؛ وطن صغير في مساحته، كبير في حضوره، ثابت في مواقفه، مفتوح على العالم،
ومتمسك بثوابته، ويواصل البحث عن مكانه المستحق في عالم لا يمنح الفرص إلا لمن يعرف
كيف يصنعها ويحسن استثمارها.