حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
عبيدات يكتب .. خطاب الملك في الامم
المتحدة رسالة اردنية تهز ضمير العالم
نيروز – بقلم الكاتب والإعلامي محمد محسن
عبيدات
كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني امام
الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، يوم أمس، اكثر من خطاب سياسي امام قادة العالم
وممثلي الدول، فقد كان صوتا اردنيا واضحا يحمل في كلماته ثقل الموقف الاردني، وعمق
الرؤية الهاشمية، وصدق الرسالة التي ظل الاردن يحملها تجاه قضايا المنطقة والعالم.
كان خطابا يخرج من وجدان وطن يعرف معنى ان يكون محاطا بالتحديات، لكنه يعرف في الوقت
ذاته كيف يحافظ على ثوابته، وكيف يجعل من الاعتدال قوة، ومن الدبلوماسية وسيلة للدفاع
عن الحق، ومن السلام هدفا لا يمكن الوصول اليه من دون عدالة.
لقد وقف جلالة الملك على منبر الامم المتحدة
حاملا معه صورة الاردن ومواقفه وثوابته، متحدثا بلغة الدولة التي لا تبحث عن التصعيد،
لكنها لا تتردد في قول الحقيقة، ولا تقبل ان تكون العدالة الدولية انتقائية، ولا ان
تبقى معاناة الشعوب مجرد ارقام في تقارير المنظمات الدولية. وكانت القضية الفلسطينية
حاضرة في قلب الخطاب الملكي، كما كانت القدس حاضرة بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية
وانسانية، وبما تحمله الوصاية الهاشمية من مسؤولية تاريخية تجاه المقدسات الاسلامية
والمسيحية فيها.
لقد اكد جلالة الملك للعالم ان ما يجري في
فلسطين ليس ازمة عابرة يمكن تجاوزها بالصمت او الانتظار، وان معاناة الشعب الفلسطيني
وما يتعرض له من قتل وتهجير وتدمير لا يمكن ان تصبح امرا اعتياديا في وجدان المجتمع
الدولي. فالسلام الحقيقي لا يبنى فوق الالم، ولا يولد من الظلم، ولا يمكن ان يتحقق
من خلال تجاهل حقوق الشعوب او فرض الوقائع بالقوة. ومن هنا جاءت الرسالة الملكية واضحة
في ضرورة الوصول الى سلام عادل وشامل، يقوم على حل الدولتين، ويضمن للشعب الفلسطيني
حقه في الحرية والاستقلال واقامة دولته المستقلة.
وفي كل كلمة قالها جلالة الملك، كانت القدس
حاضرة كعنوان للهوية والحق والتاريخ، وكان التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات
الاسلامية والمسيحية تعبيرا عن مسؤولية تاريخية لم تتخل عنها القيادة الهاشمية يوما،
وعن موقف اردني ثابت يرى في حماية المقدسات والحفاظ على هويتها ووضعها التاريخي والقانوني
مسؤولية لا تقبل المساومة.
ولم يكن الخطاب الملكي موجها الى العالم الخارجي
وحده، بل كان يحمل رسالة واضحة الى كل اردني، مفادها ان الاردن يعرف حجم المخاطر المحيطة
به، ويعرف كيف يحمي امنه الوطني ومصالحه العليا. فالاردن الذي كان وما زال دولة سلام
واعتدال وحوار، ليس دولة يمكن تجاوز مصالحها او امنها او حدودها او حقوقها المائية.
وقد كان تأكيد جلالة الملك على ان امن الحدود الشمالية للمملكة وامنها المائي جزءا
من امنها الوطني رسالة واضحة تعكس يقظة القيادة الهاشمية وحرصها على حماية الوطن ومقدراته
وحقوق شعبه.
وهنا تتجلى قيمة الخطاب الملكي في انه جمع
بين صلابة الموقف وهدوء اللغة، وبين قوة الدولة وعمق الدبلوماسية، فلم يكن خطابا قائما
على الانفعال، بل على الثقة، ولم يكن خطاب مواجهة، بل خطاب مسؤولية، ولم يكن خطابا
يبحث عن الخصومة، بل عن حلول حقيقية للازمات التي ارهقت المنطقة والعالم.
لقد تحدث جلالة الملك عن عالم يحتاج اليوم
اكثر من اي وقت مضى الى استعادة معنى العدالة، والى احترام القانون الدولي، والى اعادة
الاعتبار للشرعية الدولية، والى وقف ازدواجية المعايير التي جعلت كثيرا من الشعوب تفقد
ثقتها بقدرة المجتمع الدولي على حماية حقوقها. فالقانون الدولي لا ينبغي ان يكون انتقائيا،
والعدالة لا يمكن ان تكون حكرا على شعوب دون اخرى، وحقوق الانسان لا ينبغي ان تتغير
قيمتها بحسب الجغرافيا او السياسة او المصالح.
وكانت الرسالة الانسانية في الخطاب الملكي
واحدة من اكثر جوانبه عمقا، لان جلالة الملك لم ينظر الى ازمات العالم باعتبارها مجرد
ملفات سياسية، بل وضع الانسان في مركز الاهتمام. فالطفل الذي يفقد منزله، والاسرة التي
تعيش تحت الخوف، والمهجر الذي يبحث عن الامان، والمدني الذي يدفع ثمن الحروب، جميعهم
يستحقون ان يسمع العالم صوتهم، وان تتحول البيانات والمواقف الى خطوات حقيقية تحمي
حياتهم وكرامتهم.
ومن هنا فان خطاب جلالة الملك يعكس نهج الاردن
الذي عرفناه دائما، نهج الدولة التي تؤمن بالحوار، وتدعم السلام، وتفتح ابوابها للانسان،
وتتحمل مسؤولياتها تجاه اشقائها وجيرانها، لكنها في الوقت ذاته تدرك ان حماية الوطن
ليست خيارا مؤقتا، وان السيادة والامن والاستقرار خطوط لا يمكن تجاوزها.
لقد كان من دواعي الفخر والاعتزاز ان يظهر
الاردن في هذا المحفل الدولي الكبير بهذه الصورة الواثقة، وان يتحدث جلالة الملك بلغة
تعكس مكانة الدولة الاردنية ورؤيتها، وتحمل رسائلها الوطنية والقومية والانسانية بكل
وضوح. فليس المهم حجم الدولة او مواردها، بل قيمة موقفها وقدرتها على التعبير عن قضاياها
وقضايا امتها، وهذا ما جسده الحضور الملكي في الامم المتحدة.
انني، ككاتب واعلامي اردني، اشعر بالفخر والاعتزاز
وانا اتابع خطاب جلالة الملك، ليس فقط لانه خطاب قائد اردني امام العالم، بل لانه خطاب
يحمل صورة وطن كامل، وطن يعرف ماذا يريد، ويتمسك بثوابته، ويؤمن بالسلام، ويدافع عن
الحق، ويضع مصلحة الاردن وشعبه في مقدمة اولوياته، دون ان يتخلى عن مسؤولياته تجاه
قضايا امته.
وانني اذ اتابع الموقف الملكي وما يحمله من
رسائل وطنية وقومية وانسانية، اؤكد دعمي وتاييدي ووقوفي الكامل خلف جلالة الملك عبدالله
الثاني، وثقتي بمواقفه الثابتة في الدفاع عن الاردن ومصالحه، وفي دعم القضية الفلسطينية،
وحماية القدس ومقدساتها، والدفاع عن حق الشعوب في الامن والحرية والكرامة.
لقد كان خطاب جلالة الملك في نيويورك صوت
الاردن الذي يصل الى العالم، ورسالة وطنية وقومية وانسانية تؤكد ان الاردن سيبقى حاضرا
في قضايا امته، ثابتا في مواقفه، وفيا لمبادئه، ومتمسكا بثوابته، وقادرا على حماية
مصالحه في اصعب الظروف.
كل الفخر والاعتزاز بجلالة الملك عبدالله
الثاني، الذي يحمل امانة الوطن وقضايا الامة بكل شجاعة ومسؤولية، وكل الدعم والتاييد
لمواقفه الوطنية والقومية والانسانية. وسيبقى الاردنيون، بمختلف مواقعهم، صفا واحدا
خلف قيادتهم الهاشمية، ملتفين حول وطنهم ورايته، مؤمنين بان الاردن سيبقى بعون الله
قويا عزيزا امنا مستقرا، وان القيادة الهاشمية ستظل عنوانا للثبات والحكمة والاعتدال
والسلام.
الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات – مدير وكالة
نيروز الإخبارية في إقليم الشمال