حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
ندوة في
إربد تستعيد قصة الإنسان على هذه الأرض وتفتح ملف حماية التراث بوصفه ذاكرة وطن ومستقبلا
للتنمية
نيروز
– محمد محسن عبيدات
ليست كل
الحكايات تكتب بالحبر، فبعضها نقش على الصخر، وبعضها خبأته طبقات الأرض، وبعضها بقي
حيا في ذاكرة الناس وحكاياتهم وموروثهم الشعبي. وفي الأردن، حيث تتقاطع طرق القارات
والحضارات، تبدو الأرض نفسها وكأنها كتاب مفتوح، كل طبقة فيه تروي فصلا من قصة الإنسان،
وكل موقع أثري يكشف جانبا من رحلة طويلة بدأت قبل آلاف السنين وما تزال آثارها حاضرة
حتى اليوم.
من هنا
جاءت الندوة الثقافية التي أقامها منتدى الجياد للثقافة والتنمية بالتعاون مع جمعية
أضواء الشرق السياحية، وجمعية نهر اليرموك للتنمية والثقافة، وجمعية بيادر الخير للمحافظة
على التراث في نادي الفنانين بمدينة إربد، تحت عنوان "مساهمة الأردنيين في الحضارة
الإنسانية والمحافظة على التراث"، لتفتح نافذة واسعة على تاريخ الأردن، ليس باعتباره
مجموعة من المواقع الأثرية المتناثرة، وإنما باعتباره مساحة إنسانية وحضارية شارك سكانها،
عبر عصور متعاقبة، في صناعة المعرفة والابتكار والعمران والتجارة والثقافة.
الندوة،
التي أدارتها الدكتورة حنين عبيدات، جمعت بين البحث الأثري والرؤية التراثية والسردية
التاريخية، من خلال استضافة الباحث والكاتب في مجال السردية والتراث، مدير الشؤون الفنية
في متحف الأردن الدكتور يوشع العمري، ومدير مديرية آثار محافظة إربد الدكتور محمد العتوم،
في حوار أعاد طرح سؤال مهم: ماذا نعرف فعلا عن دور الإنسان الذي عاش على أرض الأردن
في مسيرة الحضارة الإنسانية؟ وكيف يمكن أن نحول هذا الإرث من شواهد صامتة إلى ذاكرة
حية ومشروع ثقافي وتنموي للأجيال؟
حنين عبيدات:
التراث ليس حجارة.. بل ذاكرة وطن
وفي مستهل
الندوة، وضعت الدكتورة حنين عبيدات التراث في سياقه الأوسع، مؤكدة أن الحديث عن التراث
الأردني لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المواقع الأثرية أو المباني القديمة، لأن خلف كل
حجر قصة إنسان، وخلف كل موقع ذاكرة مجتمع، وخلف كل قطعة أثرية مرحلة من مراحل تطور
الحياة على هذه الأرض.
وقالت
إن التراث هو ذاكرة الوطن التي لا يجوز أن تنقطع، وهو خلاصة التجارب الإنسانية التي
تراكمت عبر أجيال طويلة، موضحة أن قيمة الموقع الأثري لا تكمن في عمره فقط، وإنما فيما
يكشفه من معارف وأنماط حياة وابتكارات وعلاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية.
وأشارت
إلى أن الأردن غني بشواهد تاريخية وحضارية تمتد من عصور ما قبل التاريخ وصولا إلى العصور
الإسلامية والحديثة، الأمر الذي يجعل من دراسة التراث وإعادة تقديمه مسؤولية وطنية
وثقافية.
وأكدت
أن الندوة جاءت لتسليط الضوء على إسهامات الأردنيين في الحضارة الإنسانية بمختلف المجالات،
وعدم اختزال التاريخ في أسماء حضارات كبرى مرت بالمنطقة، لأن الإنسان المحلي كان حاضرا
في صناعة تلك التحولات، وكان فاعلا في بناء المدن وتطوير الأدوات واستثمار الموارد
الطبيعية والتفاعل مع الشعوب والثقافات المجاورة.
وأضافت
أن مسؤولية حماية التراث تبدأ من المعرفة، لأن ما لا يعرفه الناس يصعب عليهم الدفاع
عنه، مؤكدة ضرورة إشراك المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلام والمجتمع المحلي
في عملية التوثيق والحماية والتعريف بالمواقع التراثية.
يوشع العمري:
قصة الأردن تبدأ من الإنسان الأول
وفي قراءة عميقة للتاريخ، أعاد الدكتور يوشع العمري الحضور إلى بدايات بعيدة جدا من الزمن، موضحا أن قصة الإنسان في الأردن ليست قصة حديثة، بل تمتد إلى نحو مليونين ونصف المليون سنة من الوجود البشري.
وبيّن
أن الموقع الجغرافي للأردن منحه أهمية استثنائية في حركة الإنسان القديم، فهو يقع على
الطريق البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، ولذلك لم تكن هذه الأرض معزولة عن العالم القديم،
بل كانت جزءا من حركة بشرية متواصلة عبر آلاف السنين.
وأوضح
أن الإنسان استخدم الممرات الطبيعية التي فرضتها الجغرافيا، ومن أبرزها منطقة حفرة
الانهدام ووادي الأردن، التي شكلت ممرا طبيعيا امتد عبر الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان
وصولا إلى الأناضول، وأسهم في انتقال الإنسان والجماعات البشرية والأفكار والأدوات
بين مناطق مختلفة.
وأشار
إلى أن الحديث عن هذه الحقائق يستند إلى أدلة أثرية ونتائج تنقيب وتحليل علمي، وليس
إلى سرديات غير موثقة، مؤكدا أن الاكتشافات الأثرية التي شهدتها المنطقة أسهمت في إعادة
رسم صورة الإنسان القديم، وطبيعة حياته وطرق تنقله واستقراره وتفاعله مع البيئة.
وأكد العمري
أن قراءة هذا التاريخ ليست مجرد بحث في الماضي، وإنما هي معرفة ضرورية لفهم الحاضر،
لأن الإنسان عندما يدرك عمق علاقته بالأرض التي يعيش عليها يصبح أكثر وعيا بقيمتها
وأكثر حرصا على حمايتها.
النار..
لحظة غيرت وجه البشرية
ومن بين
المحطات اللافتة التي توقف عندها العمري قصة النار، باعتبارها أحد أعظم التحولات في
التاريخ البشري.
وقال إن
البشرية لا تعرف على وجه اليقين اسم أول إنسان تمكن من اكتشاف النار واستخدامها، لكن
الأدلة الأثرية في المنطقة تكشف عن استخدام مبكر لها، ومن أبرز الشواهد ما وجد بالقرب
من نهر الأردن في منطقة جسر بنات يعقوب، ويعود إلى نحو 800 ألف سنة.
وأوضح
أن اكتشاف النار لم يكن مجرد وسيلة للتدفئة، بل فتح أمام الإنسان أبوابا جديدة في حياته
اليومية، من إعداد الطعام والحماية إلى معالجة المواد وتطوير الأدوات، ثم استخدام الحرارة
لاحقا في صناعات أكثر تعقيدا.
وأشار
إلى أن أهمية هذه الاكتشافات تكمن في أنها تجعل الأردن جزءا من قصة التحولات الكبرى
التي غيرت حياة الإنسان، وليس مجرد منطقة مرت بها الجماعات البشرية في طريقها بين القارات.
من الحبوب
البرية إلى الخبز
وانتقل
العمري إلى واحدة من أكثر القصص دلالة على تطور التفكير الإنساني، وهي قصة الخبز، مشيرا
إلى أن الأدلة المكتشفة تشير إلى صناعة الخبز قبل نحو 14 ألف سنة.
وأوضح
أن التحليل العلمي لعينات مكتشفة أظهر استخدام الحنطة والحبوب البرية في صناعة الخبز،
في وقت لم يكن الإنسان قد انتقل بعد بصورة كاملة إلى الزراعة والاستقرار.
وقال إن
هذه الحقيقة تكشف أن الإنسان القديم لم يكن مجرد صياد وجامع للغذاء، بل كان يمتلك القدرة
على التجربة والملاحظة وتوظيف الموارد الطبيعية لصالحه، وهي مهارات شكلت أساسا للتحولات
الكبرى التي جاءت لاحقا مع الزراعة والاستقرار وبناء القرى.
عين غزال..
حين تحولت النار إلى صناعة وفن
وفي محطة
أخرى، تحدث العمري عن عين غزال، أحد أهم المواقع الأثرية في الأردن، موضحا أن سكان
الموقع استطاعوا قبل نحو عشرة آلاف سنة استخدام النار بدرجات حرارة مرتفعة لمعالجة
الحجر الجيري وتحويله إلى الجص.
وأشار
إلى أن درجات الحرارة المستخدمة وصلت إلى نحو 900 درجة مئوية، وأن المادة الناتجة استُخدمت
في صناعة التماثيل، وكذلك في الأرضيات والجدران والمنشآت.
النحاس
من وادي عربة.. والثروة المعدنية في خدمة الحضارة
وتناول
العمري تاريخ التعدين، مشيرا إلى أن أرض الأردن كانت جزءا من تاريخ مبكر لاستخراج المعادن
وتبادلها.
وأوضح
أن التحاليل العلمية لقطع نحاسية عثر عليها في مصر، ومنها ما اكتشف في منطقة الجيزة،
أشارت إلى ارتباط مصدر الخام بمناطق النحاس في وادي عربة جنوب الأردن.
وقال إن
هذه النتائج تفتح الباب أمام فهم أوسع للعلاقات الاقتصادية وشبكات التبادل في العالم
القديم، وتؤكد أن موارد الأردن الطبيعية كانت معروفة ومستثمرة منذ عصور مبكرة.
كما أشار
إلى اكتشاف قطع حديدية في الأردن تعود إلى نحو 1300 قبل الميلاد، أي قبل بداية العصر
الحديدي بنحو قرن، معتبرا أن مثل هذه الاكتشافات تؤكد أن تاريخ التكنولوجيا أكثر تعقيدا
مما قد توحي به التقسيمات التقليدية للعصور.
محمد العتوم:
هذه ليست مدنا رومانية بالمعنى الذي نتصوره
وفي الجانب
الآخر من الندوة، انتقل الدكتور محمد العتوم إلى المدن الأثرية في شمال الأردن، مؤكدا
ضرورة إعادة قراءة هذه المواقع بعيدا عن بعض التسميات الشائعة.
وأوضح
أن المدن التي تعرف عادة باسم "المدن الرومانية" ليست بالضرورة مدنا أنشأها
الرومان من الصفر، بل هي مدن قامت في بيئة محلية وكان أبناء المنطقة جزءا أساسيا من
عمرانها وحياتها الاقتصادية والاجتماعية، وإن تأثرت عمارتها وفنونها بالنمط الروماني
خلال الفترات التاريخية المختلفة.
وأشار
إلى أن محافظة إربد تحتضن أربع مدن ارتبطت تاريخيا بمدن الديكابوليس، هي طبقة فحل،
وأم قيس، وقويلبة، وبيت راس، مؤكدا أن هذه المواقع تمثل صفحات مهمة من تاريخ شمال الأردن.
وتوقف
عند طبقة فحل، التي وصفها بأنها من أهم المواقع الأثرية بالنسبة للباحثين، نظرا إلى
امتداد الاستيطان فيها عبر فترات تاريخية طويلة، بما يجعلها شاهدا على التحولات التي
عرفها الإنسان والمجتمع في المنطقة.
وأكد العتوم
أن التعامل مع هذه المواقع يجب ألا يقتصر على البعد السياحي، بل ينبغي النظر إليها
كمصادر للمعرفة ومكونات للهوية ومشروعات قابلة للتوظيف في التنمية المحلية.
حماية
التراث.. مسؤولية تبدأ من المجتمع
وشدد العتوم
على أن دائرة الآثار العامة تعمل على حماية المواقع الأثرية وتوثيقها وتأهيلها وإبراز
قيمتها محليا وعالميا، بهدف المحافظة عليها وإتاحتها أمام الزوار وتحويلها إلى روافد
ثقافية وسياحية واقتصادية.
وأوضح
أن أي مشروع أثري أو سياحي لن يحقق كامل أهدافه إذا بقي المجتمع المحلي بعيدا عنه،
مؤكدا أهمية إشراك أبناء المناطق المحيطة بالمواقع في عمليات الحماية والتدريب والإرشاد
والخدمات السياحية.
وقال إن
المجتمع المحلي ليس مجرد جمهور للموقع الأثري، وإنما يمكن أن يكون شريكا حقيقيا في
حمايته واستثماره، من خلال بناء برامج تدريبية وإيجاد فرص عمل وتشجيع الصناعات والحرف
المرتبطة بالتراث، بما يحقق معادلة تجمع بين الحماية والتنمية.
وأشار
إلى أهمية تعزيز التعاون بين دائرة الآثار والبلديات والجمعيات والمؤسسات الثقافية
والسياحية والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام، لأن حماية التراث مشروع وطني واسع يحتاج
إلى تكامل الأدوار.
من حجر
صامت إلى قصة وطن
وأجمعت
مضامين الندوة على أن الأردن لا يحتاج فقط إلى حماية آثاره، بل يحتاج أيضا إلى إعادة
سردها، فالقطعة الأثرية التي توضع خلف زجاج المتحف تظل ناقصة المعنى إذا لم يعرف الزائر
قصة الإنسان الذي صنعها، والموقع الذي يبدو صامتا يصبح أكثر حضورا عندما تتحول آثاره
إلى حكاية يفهمها الطفل والطالب والباحث والسائح.
وأكد المشاركون
أهمية توثيق التراث المادي وغير المادي، بما يشمل المواقع الأثرية والحرف التقليدية
والأزياء والأطعمة والعادات والموسيقى والأغاني والحكايات الشعبية والروايات المحلية،
باعتبارها جميعا أجزاء من الذاكرة الأردنية.
كما برزت
خلال الندوة أهمية الإعلام في تقديم التاريخ والآثار بطريقة مبسطة وموثقة، وتحويل نتائج
الأبحاث العلمية إلى قصص معرفية تصل إلى الجمهور، خصوصا الشباب، بدلا من بقاء المعرفة
الأثرية محصورة في الكتب والدراسات المتخصصة.
في الأردن،
لا تحتاج الأرض إلى من يتحدث باسمها كثيرا؛ فهي تتحدث عن نفسها كلما كشفت حفريات جديدة،
أو خرجت من طبقاتها قطعة فخار، أو ظهر نقش على حجر، أو عادت تماثيل قديمة لتروي حكاية
أصحابها. إنها أرض اختزنَت في ترابها آلاف السنين من حضور الإنسان، وحفظت في جبالها
ووديانها ومدنها القديمة فصولا من قصة الحضارة.
والدرس
الأهم الذي حملته الندوة أن التراث ليس ماضيا نغلق عليه أبواب المتاحف، بل ذاكرة حية
يمكن أن تصنع وعيا في الحاضر وفرصا في المستقبل. فحين نعرف من أين جاءت الحكاية، يصبح
أكثر وضوحا ما الذي ينبغي أن نحافظ عليه، وحين يتحول الأثر إلى معرفة، تتحول الذاكرة
إلى قوة، وحين يصبح المجتمع شريكا في حماية تراثه، يتحول الموقع الأثري من شاهد صامت
إلى مشروع حياة.
وهكذا،
فإن حماية التراث الأردني ليست حماية للحجر وحده، وإنما حماية لقصة الإنسان الأردني،
وللذاكرة التي صنعت المكان، وللرواية التي ستقدم للأجيال المقبلة صورة وطن لم يكن يوما
على هامش الحضارة، بل كان جزءا من مسيرتها الطويلة، شاهدا عليها، ومشاركا في كثير من
فصولها.