ساحر عقول أم كاسر للقواعد؟.. كيف أربك البروفيسور رياض علي الدويري القادم من عروس الشمال الصورة النمطية للأكاديميا، وسرق قلوب الطفيلة ليجعل "الجيولوجيا" عشقاً يتزاحم عليه الطلبة منذ 17 عاماً؟! الكاتب يوسف المرافي يسرد القصة
في بلدة "كتم" الأردنية المترعة بأصالة الشمال، أبصر الأستاذ الدكتور رياض الدويري النور عام 1969، لينشأ في بيتٍ يجمع بين انضباط العسكرية ونفحات الإيمان. كان والده رجلاً من رجالات القوات المسلحة الأردنية البواسل، خدم في سلاح المدفعية لخمسة وعشرين عاماً، وخاض شرف الدفاع عن الوطن في حرب عام 1967، رافق خلالها رفاق السلاح والأوفياء، حتى تقاعد برتبة "رائد"، ليواصل بعد ذلك رحلة عطائه محاسباً في العمل العام لربع قرن آخر.
ولم يكن الوالد مجرد قائد عسكريّ، بل كان رجلاً مباركاً، حافظاً لكتاب الله الكريم، غرَس في أبنائه مكارم الأخلاق والهمة العالية. أما الوالدة – رحمة الله عليها – فقد تركت ببسمتها وحنانها أثراً لا يُمحى في وجدانه، بعد أن وافتها المنية وهو ابن أربعة عشر عاماً، لتبقى روحها الطاهرة قنديلًا يضيء له درب النجاح.
تلقى الدويري تعليمه الأساسي في مدارس بلدة "كتم"، قبل أن ينتقل لمدارس "الحصن" لينهي مرحلته الثانوية؛ حيث توّج شغفه واجتهاده بالحصول على شهادة الثانوية العامة (الفرع العلمي) عام 1988 بمعدل ممتاز بلغ 84%. واصل بعدها مسيرته الأكاديمية بالتحاقه بـ جامعة اليرموك؛ لينهل من علومها وينال درجة البكالوريوس، ثم الماجستير عام 1995.
ولأن الطموح لا تحده حدود، اغترب الدكتور الدويري للعمل في المملكة العربية السعودية لمدة ست سنوات، اكتسب خلالها خبرات عميقة، ليقرر بعدها العودة إلى أرض الوطن وإكمال رحلته العلمية لنيل درجة الدكتوراه. وكانت المحطة الفاصلة والأبرز في مسيرته عند تعيينه في جامعة الطفيلة التقنية، كأول تعيين رسمي له في الجامعات الأردنية. وهناك، في جبال الطفيلة الشماء وبين أهلها الأوفياء، وجد الدويري بيئةً احتضنته وطاب له المقام فيها، فاستقر مع عائلته، لتبدأ رحلة حب وعطاء متبادل امتدت لأكثر من سبعة عشر عاماً.
ولد الدكتور رياض الدويري في كنف عائلةٍ تعشق العلم، وتنبض بحب الوطن والانتماء. واستقرّ برفقة عائلته في الطفيلة، حيث توثّقت أواصر القربى والمصاهرة مع أهالي الطفيلة الكرام، ليزفّ ابنه البكر، الدكتور سيف، عريسًا لإحدى كريمات الطفيلة ، وقد درس الأبناء في مدارس الطفيلة و جامعة الطفيلة التقنية وتخرجوا منها مؤخرا ."
تدهشني دائماً سيرة الأستاذ الدكتور رياض علي رياض الدويري؛ تلك القامة الأكاديمية الرفيعة في جامعة الطفيلة التقنية، الحاصل على الدكتوراه في الجيولوجيا التطبيقية والبيئية من الجامعة الأردنية وأبحاث ما بعد الدكتوراه في المعادن والجيوكيمياء من جامعة برشلونة بالإسبانية. قَدِمَ من عروس الشمال "إربد" ليحمل سيرة عطرة مطرزة بالياقوت والجواهر النادرة؛ فمنذ عام 2013 وأنا أرصد ملامح شخصيته الاستثنائية، وعشقه للطفيلة، وسِرَّ تلك المحبة الجارفة التي يحيطه بها الطلبة والمجتمع المحلي، وهو الذي أمضى في رحاب الجامعة سبعة عشر عاماً وما زال نهر عطائه المترع بالتميز يتدفق حتى هذه اللحظة."
يعود أول اللقاء إلى عام 2013 ؛ إبان تغطيتي الإعلامية لمؤتمر نظّمته إحدى مدارس القصبة حين كنت مسؤولاً للإعلام التربوي في مديرية تربية منطقة الطفيلة. يومها، لفتت شخصية الدكتور الدويري الكاريزمية انتباهي، حتى إن مدير التربية ونائبه آنذاك لاحظا مدى انبهاري بحضورو اللبق، وقدرته الفريدة على أسر قلوب الحضور والطلبة بحسن التعامل ولطيف المعشر. كان الدويري وقتها أستاذاً مساعداً، لتتوالى مسيرة نجاحاته وتألقه حتى أضحى اليوم مساعداً لرئيس الجامعة لشؤون التطوير والاتصال مع الصناعة.
لم تكن هذه السطور وليدة انطباع شخصي فحسب، بل استندتُ فيها إلى شهادات أشخاص محايدين أجمعوا على أنه صاحب شخصية ساحرة للقلوب، وقائدٌ تربويٌ من النسق الرفيع. فهو ينتمي إلى "الجيل الذهبي" الذين خدموا جامعة الطفيلة التقنية منذ انضمامه إليها عام 2008؛ حيث لفت الأنظار بقربه من الجميع، ولا سيما أنه اختار الاستقرار في الطفيلة مع عائلته، فدرس أبناؤه في مدارسها، وتخرج بعضهم في جامعتها مؤخراً. يُعرف عنه فتح أبواب مكتبه لكل من يقصده من الطلبة طلباً للمشورة والعون، ليكون لهم قصّة نجاح ملهمة ومثالاً للأستاذ الجامعي المثقف والقدير.
يمتلك الدكتور الدويري كاريزما تخطف القلوب؛ ففي إحدى السنوات بلغني أن قاعات محاضراته تتزاحم بالطلبة عن بكرة أبيها، ويتسابق الجميع للتسجيل عنده لما يلمسونه فيه من أسلوب تدريسي فريد يعاملهم فيه كأبنائه، فيوجههم ويأخذ بأيديهم. يجمع إلى جانب هذه الشعبية الجارفة مستوى أكاديمياً مرموقاً؛ فهو عالمٌ في الجيولوجيا التطبيقية والبيئية، يحمل أعلى الدرجات العلمية والجوائز البحثية المحلية والدولية، حتى عدّه الكثيرون واحداً من خيرة أساتذة الجيولوجيا الذين أنجبتهم إربد وأبرزهم على مستوى الجامعات الأردنية.
إن من يجالس الدكتور رياض يستشعر من اللحظة الأولى صفاء سريرته ونقاء قلبه؛ فهو رجلٌ صلب في مقاصده، لا يظلم ولا يداهن، يقف مع الحق ولا تأخذه في الله لومة لائم. ذكيٌّ في عقله، نيفٌ في علمه، فصيحٌ في لسانه، لا تثيره جعجة القوم ولا تخبت من عزائمه نوائب الدهر. صنديدٌ في الشدائد، قشيبٌ في مظهره، جلجالٌ في قوله، سديدٌ في رأيه، كيسٌ متزن، مترفعٌ عن الصغائر، مهيبٌ ومفوهٌ أمام طلبته.
لقد حضرتُ له عدة حوارات وندوات إبان عملي في الإعلام التربوي وتغطيتي لمؤتمرات قسم الجيولوجيا، فكان إلقاؤه الارتجالي المنظم غاية في الروعة والإتقان، يغوص في بحر اللغة ويستخرج من دررها ولآلئها أبلغ المعاني. وما أثار دهشتي فيه بحق، هو تواضعه الميداني وانشغاله بالصالح العام؛ خلافاً لمن يحصنون أنفسهم خلف الأبواب المغلقة.
ورغم أنني لا أرتبط معه بعلاقة شخصية وطيدة أو مصلحة، إلا أنني أثمن فيه هذه المواقف النبيلة ووقوفه مع الجميع على مسافة واحدة.
إنها فرصة طيبة لنكتب عن عالم ومفكر عصامي واسع الثقافة، وقامة وطنية تعشق الوطن وترابه. وحقيقةً لقد ذهلتُ وأنا أستقصي سيرته الحافلة بالإنجازات، واضطررت لاختصار الكثير من جوانبها الاجتماعية والعلمية كي لا تطول المقالة، مجسّداً بذلك نموذجاً أردنيّاً يبعث على الفخر والاعتزاز.
💎 ملامح من السيرة الذاتية والأكاديمية للبروفيسور رياض الدويري
بيانات شخصية:
الاسم: أ. د. رياض علي رياض الدويري
المؤسسة: جامعة الطفيلة التقنية – الأردن
🎓 أولاً: المؤهلات والمسيرة العلمية
يتكئ البروفيسور الدويري على أرضية أفقية وعمودية صلبة في علوم الأرض والجيولوجيا:
أبحاث ما بعد الدكتوراه (المعادن والجيوكيمياء): جامعة برشلونة – إسبانيا (2012 – 2014).
الدكتوراه (الجيولوجيا التطبيقية والبيئية): الجامعة الأردنية – عمان (2003 – 2007).
جائزة ERASMUS MUNDUS AVEMPAS – الاتحاد الأوروبي (2012).
جائزة مؤسسة البحوث الألمانية (DFG) – ألمانيا (2011).
🔬 رابعاً: النتاج العلمي والبحثي والاتفاقيات الدولية
الأبحاث والإنتاج العلمي: يمتلك ما يزيد على 50 بحثاً علمياً محكماً في مجلات محليّة وعالمية مرموقة (h ext{-index} = 12، مع تجاوز الاستشهادات حاجز 507 استشهاداً).
الإشراف الأكاديمي: أشرف على العديد من رسائل الماجستير ومشاريع تخرج البكالوريوس بكلية الهندسة، وعمل كمناقش خارجي في مختلف الجامعات الأردنية.
الدورات والمؤتمرات: نفّذ أكثر من 11 دورة تدريبية باللغتين العربية والإنجليزية، وشارك وحاضر في أكثر من 20 مؤتمراً محلياً وإقليمياً ودولياً.
جسور الشراكة والاتفاقيات:
شراكة USAID ووزارة المياه: أثمرت عن توفير منح تدريبية لطلبة الماجستير وورش عمل متخصصة.
اتفاقية جامعة أوفا الحكومية للنفط والغاز (روسيا): أمّنت 10 مقاعد دراسية لخريجي الجامعة وتبادل الزيارات والأبحاث المشتركة.
اتفاقية جمعية بريمن للأبحاث - بوردا (ألمانيا): أثمرت عن إنشاء محطة تنقية لامركزية للمياه الرمادية وبرامج تدريبية متخصصة.
📋 خامساً: اللجان والمجالس الرئيسية
شارك بفاعلية في صنع القرار الأكاديمي والطلابي من خلال رئاسته وعضويته لعدة مجالس ولجان، ومنها:
عضوية لجنة البحث العلمي ولجنة الدراسات العليا ولجنة الاعتماد بالجامعة.
رئاسة مجلس مركز الاستشارات والدراسات والتدريب.
رئاسة لجنة خطة الهندسة الجيولوجية، ولجنة حل قضايا ومشاكل الطلبة بكلية الهندسة لسنوات متتالية.
عضوية لجنة الاعتماد التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وحسبُنا في نهاية المطاف أن نقول: إن الأستاذ الدكتور رياض الدويري ليس مجرد قامة أكاديمية مرّت في تاريخ الجامعة، بل هو قصة نجاح أردنية منسوجة بالوفاء والعطاء، ونموذجٌ حيٌّ للقيم النبيلة التي تتوارثها الأجيال في وطن الهواشم.
ختاماً.. أسأل الله العلي القدير أن يحفظه ويسبغ عليه وعلى أبنائه وأسرته الكريمة وافر الصحة والعافية، وأن يديم عليه توفيقه وسداده، ليظل نهر عطائه في رحاب جامعة الطفيلة التقنية ومؤسساتنا الوطنية يتدفق زاخراً، في ظل الراية الهاشمية المظفرة، بقيادة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.