2026-09-01 - الثلاثاء
إسرائيل تعلن اعتقال رئيس جهاز الأمن العام التابع لحماس في غزة رئيس الوزراء يتسلم التقرير السنوي لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد مرصد أكيد: 98 إشاعة في شهر آب الماضي بمعدل 3 إشاعات يوميا وزير الأوقاف يرعى احتفالا بذكرى المولد النبوي في جامعة جرش وفد ملتقى متقاعدي جنوب شرق عمّان العسكريين يزور مديرية الأمن العام هل الحلف بـ"حدّ الله" يعتبر يميناً؟ .. الإفتاء الأردنية تُجيب آية الأسمر أول امرأة تتولى رئاسة مجلس النقباء في تاريخ الأردن أوقاف مادبا تحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف الزبن : مدارسنا تنطلق بكامل الجاهزية للعام الدراسي وجولاتنا متواصلة لمعالجة أي ملحوظة التعاد السكاني الذاتي متاح عبر سند .. اليكم الشروط فريحات: التعداد السكاني لا يتضمن أسئلة عن الدخل أو الضريبة الأردن: ضبط حقن هرمونية وأدوية غير مجازة داخل مركبتين لمدربي لياقة بدنية منتخبات الكراتيه تؤكد جاهزيتها لمنافسات بطولة آسيا البنك العربي يدعم حملة (العودة إلى المدارس) بالتعاون مع مؤسسة ولي العهد مرة أسبوعيا.. تمرين يخفض دهون الجسم ومحيط الخصر الرئيس إلهام علييف يعقد اجتماعا مع رئيس وزراء أرمينيا في بشكيك محدث...صور روسيا تسقط 516 مسيرة أوكرانية وتقصف منشآت التصدير بأوديسا حين يدخل الدين إلى منطقة محظورة رسالة مؤثرة تكشف أمنية الأميرة ديانا قبل أشهر من وفاتها أبو عاقولة يكشف آلية دخول الشاحنات الأردنية إلى سورية
وفاة الدكتور حسين محمد حسين المومني «أبو ليث» المجلس القضائي ينعى القاضي المتقاعد احمد النجداوي قبيلة العدوان وعشيرة الزطام/الكايد تنعيان عمدة شفا بدران الأسبق سليمان حيدر الشاهر العدوان «أبو أنور» دعاء للمرحوم الحاج رشيد فالح الرمثان «أبو نزال».. اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة العقيد الطبيب المتقاعد مصطفى عقيل الزبون في ذمة الله الهديرس والأسرة التربوية في لواء الجامعة ينعون شقيق د. صالح الحوامدة الهديرس والأسرة التربوية في لواء الجامعة ينعون والد د. أحمد الخوالدة وفاة العميد المتقاعد المهندس يوسف العيطان «أبو عمار».. مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة الوطن والجيش العربي وفاة وإصابة بتصادم "قلابين" في القطرانة وفاة عصمت عبدالقادر النداف.. رحيل رجل من خيرة الرجال رحيل الإعلامي علي الجفال الشمري "أبو سيف".. سيرة طيبة وأثر باقٍ في قلوب محبيه الفاهوم يكتب مارتن إيدن… حين يصنع الإنسان نفسه وفاة الشاب راشد مصطفى سعد خليفات أثر حادث سير مؤسف. شكر على التعازي بوفاة (الحاج صالح إبراهيم صالح خريسات) وفاة الشاب سعد يوسف فريح أبو صعيليك وفاة فتاة بعد سقوطها عن الطابق الخامس في عمّان الحاجة ملك اعقاب الفايز في ذمة الله الحاجة واجد موسى علي الطيب في ذمة الله قبيلة العدوان تنعى الحاج مصطفى صالح جديع العدوان (أبو ركان).. رجل المواقف والكرم في ذمة الله وفاة زوجة محمد ناصر الشحون المحارب

حين يدخل الدين إلى منطقة محظورة

{clean_title}
نيروز الإخبارية :
د. عمرو الهلالي*

كل عدة أشهر يعود إلى الواجهة في مصر الحديث عن خطط ومقترحات جديدة للتعامل مع مشكلة الديون المصرية، مرة من خلال بيع حصص في شركات وأصول مملوكة للدولة، ومرة من خلال جذب استثمارات أجنبية مقابل حصص في مشروعات قائمة، ومرة من خلال إعادة هيكلة آجال الديون أو البحث عن مصادر تمويل جديدة، وفي كل مرة يبدأ معها نقاش واسع حول حجم الدين وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وما إذا كانت سياسة بيع الأصول تمثل حلًا مؤقتًا لأزمة سيولة أم أنها تتحول تدريجيًا إلى سياسة اقتصادية دائمة، إلا أن الأمر هذه المرة بدا أكثر إثارة للانتباه لأن الحديث لم يتوقف عند شركة أو فندق أو قطعة أرض أو مشروع سياحي، وإنما وصل إلى قناة السويس المصرية، وهو الاسم الذي لا يشبه أي اسم آخر عندما يتعلق الأمر بالأصول المملوكة للدولة المصرية، ليس فقط بسبب العائد الاقتصادي الذي تحققه القناة وإنما بسبب تاريخ طويل جعل منها جزءًا من تعريف المصريين لمعنى السيادة والاستقلال والقدرة على التحكم في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.

ومن المهم في البداية أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، لأن ما جرى تداوله أخيرًا حول مقترح "المقايضة" أو استخدام الأصول في معالجة الديون لا يعني بالضرورة أن هناك قرارًا ببيع قناة السويس أو نقل ملكيتها إلى دائنين أجانب، بل إن الحكومة المصرية نفت بصورة قاطعة وجود توجه لمقايضة القناة أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل المديونية، مؤكدة أن القناة مرفق عام لا يمكن التعامل معه بهذه الصورة، وبالتالي فإن الخلط بين مفهوم مبادلة الديون بالأصول وبين بيع قناة السويس يؤدي إلى تحويل نقاش اقتصادي ومالي معقد إلى معركة سياسية وشعاراتية قبل أن نفهم أصل الفكرة نفسها، فمبادلة الدين بأصل تعني في أحد أشكالها أن يحصل الدائن أو المستثمر على حصة في أصل أو شركة مقابل إسقاط جزء من الدين أو إعادة هيكلته، بينما بيع الأصل يعني انتقال ملكيته بصورة مباشرة إلى المشتري، أما توريق الإيرادات المستقبلية فيعني الحصول على تمويل حالي في مقابل جزء من التدفقات النقدية المستقبلية دون انتقال ملكية الأصل ذاته، وهي أدوات مالية مختلفة تمامًا، وإن كانت جميعها تنتمي إلى عائلة واحدة هي محاولة تحويل القيمة الاقتصادية الموجودة لدى الدولة إلى وسيلة لتخفيف عبء الدين.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نناقشه بعيدًا عن الانفعال هو لماذا أصبحت مصر أصلًا مضطرة إلى التفكير في مثل هذه الأدوات، فالدولة المصرية لا تواجه دينًا واحدًا يمكن التعامل معه بقرار منفرد وإنما تواجه هيكلًا معقدًا من الديون المحلية والخارجية، فمع نهاية الربع الثاني من السنة المالية 2024/2025 كان إجمالي الدين الحكومي المحلي والخارجي القائم قد اقترب من 14.95 تريليون جنيه وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، بينما ظل الدين الخارجي في حدود 164 مليار دولار تقريبًا في أواخر 2025، وأصبحت خدمة الدين الخارجي وحدها تمثل ضغطًا كبيرًا على موارد النقد الأجنبي، إذ رفع البنك المركزي تقدير خدمة الدين الخارجي المستحقة خلال عام 2026 إلى نحو 29.18 مليار دولار، وهو رقم يكشف أن المشكلة ليست فقط في حجم الدين وإنما في توقيت الاستحقاقات وحاجتنا المستمرة إلى توفير العملة الأجنبية لإعادة التمويل والسداد.

وتزداد الصورة وضوحًا عندما ننظر إلى الدين من زاوية الاقتصاد الكلي، فصندوق النقد الدولي ما زال يضع ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية في مقدمة التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري رغم التحسن الذي تحقق في المؤشرات المالية، كما أن الحكومة نجحت خلال السنة المالية 2025/2026 في تحقيق فائض أولي بلغ نحو 4.8% من الناتج المحلي، وانخفضت احتياجات التمويل الإجمالية بنحو خمس نقاط مئوية من الناتج، وهو تطور إيجابي مهم، لكنه لا يعني أن مشكلة الدين انتهت، وإنما يعني أن الدولة بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح في الوقت الذي لا تزال فيه كتلة الدين نفسها كبيرة وتظل تكلفة خدمتها عاملًا ضاغطًا على الموازنة والإنفاق العام.

وهنا تظهر الفكرة التي تقف خلف اللجوء إلى مبادلة الديون بالأصول، فالدولة قد تمتلك في الوقت نفسه أصولًا ضخمة ذات قيمة اقتصادية كبيرة، بينما تعاني من نقص السيولة وارتفاع تكلفة الاقتراض، وبالتالي يصبح من المغري اقتصاديًا أن تقول إن لدينا ثروة موجودة بالفعل ولكنها غير مستغلة بالكفاءة الكافية، ولدينا في المقابل ديون تكلفنا فوائد مرتفعة، فلماذا لا نحول جزءًا من هذه الثروة إلى تخفيض للديون، وهذه الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة ولا تخص مصر وحدها، فقد استخدمتها دول عديدة من قبل بأشكال مختلفة، من تشيلي والبرازيل والأرجنتين والمكسيك في أزمات الديون في أمريكا اللاتينية، إلى اليونان التي لجأت في أزمتها إلى إعادة هيكلة واسعة للديون بالتوازي مع برامج إصلاح وخصخصة، لكن التجارب الدولية نفسها تقول لنا إن مجرد انخفاض رقم الدين لا يعني بالضرورة نجاح العملية، لأن الدولة قد تتخلص من دين مرتفع التكلفة لكنها في المقابل تتنازل عن أصل مربح أو عن تدفقات نقدية مستقبلية قد تكون قيمتها أكبر من الدين الذي جرى إسقاطه.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعلنا بحاجة إلى التفرقة بين الأصول التي يمكن لمصر أن تستخدمها في إدارة أزمة الدين وبين الأصول التي يجب التعامل معها بمنتهى الحذر، فهناك شركات تجارية يمكن طرح حصص منها مع احتفاظ الدولة بحصة مؤثرة، وهناك أراضٍ غير مستغلة يمكن تحويلها إلى مشروعات استثمارية بدلًا من تركها ساكنة، وهناك فنادق ومشروعات سياحية ولوجستية وموانئ ومحطات وخدمات يمكن إنشاء شركات لها وطرح حصص محدودة منها، وهناك أصول يمكن تسييل جزء من قيمتها من خلال الشراكة مع القطاع الخاص دون أن تتخلى الدولة عن ملكيتها الكاملة، لكن هناك في المقابل أصولًا لا يمكن تقييمها فقط من خلال دفتر الحسابات، لأنها تحمل قيمة استراتيجية أو سيادية تتجاوز إيراداتها المباشرة، وقناة السويس تقع في مقدمة هذه الفئة.

والحساسية المصرية تجاه قناة السويس ليست وليدة اللحظة، فالقناة تحمل في الذاكرة المصرية قصة تاريخية مختلفة عن قصة أي فندق أو شركة أو قطعة أرض، ففي عام 1875 باع الخديوي إسماعيل حصة الحكومة المصرية في شركة قناة السويس، والتي كانت تمثل نحو 44% من أسهم الشركة، للحكومة البريطانية مقابل نحو 3.97 مليون جنيه إسترليني، وجاء ذلك في ظل أزمة مالية خانقة وتزايد الضغوط والديون والتدخل الأوروبي في المالية المصرية، ثم أصبحت القناة بعد ذلك واحدة من أهم رموز النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي في مصر، إلى أن جاء تأميمها عام 1956 وما أعقبه من العدوان الثلاثي، فتحولت القناة في الوعي الوطني المصري من رمز للتدخل الأجنبي وفقدان السيطرة إلى رمز لاستعادة السيادة الوطنية، ومن هنا فإن أي حديث معاصر عن استخدام قناة السويس في معالجة الديون يستدعي بصورة تلقائية تاريخًا يتجاوز الحسابات المالية المباشرة، حتى لو كان المقترح المطروح اليوم لا يتضمن بيع القناة أصلًا.

وهنا يجب أن نكون أكثر عقلانية من أن نقول إن كل استخدام مالي للقناة يمثل تهديدًا للأمن القومي، كما يجب في الوقت نفسه أن نكون أكثر حذرًا من أن نعامل القناة وكأنها مجرد شركة تحقق إيرادات سنوية يمكن بيعها لمن يدفع أكثر، فهناك فرق جوهري بين بيع الملكية والسيطرة على القناة وبين تمويل مشروعات مرتبطة بها أو إصدار أدوات مالية تعتمد على جزء من تدفقاتها المستقبلية أو تطوير المناطق الاقتصادية واللوجستية المحيطة بها أو استخدام قوة إيراداتها لتحسين شروط التمويل، وهذا هو المدخل الذي يجب أن نبحثه إذا أردنا الوصول إلى حل اقتصادي حقيقي لا يضع الدولة أمام الاختيار المستحيل بين السيولة والسيادة.

فالقضية إذن ليست في أن مصر تمتلك أصولًا ثمينة فتبيعها لسداد الديون، وإنما في كيفية إدارة الميزانية العمومية للدولة كلها، بحيث تتحول بعض الأصول غير الاستراتيجية أو غير المستغلة إلى سيولة تخفض الدين وتقلل فاتورة الفوائد، بينما تظل الأصول التي تمثل عناصر أساسية في الأمن القومي والسيادة الوطنية خارج دائرة البيع أو الرهن أو نقل الملكية، وهذه ليست عاطفة وطنية مجردة وإنما قاعدة اقتصادية أيضًا، لأن الأصل الذي يحقق تدفقًا نقديًا مستمرًا يجب ألا نقارنه فقط بقيمة الدين الذي نستطيع إسقاطه اليوم، وإنما يجب أن نقارن بين قيمة الدين الذي سنوفر فوائده وبين القيمة الحالية لكل التدفقات التي سنتخلى عنها في المستقبل.

ومن هنا سنبدأ الحديث في سلسلة (مبادلة الديون المصرية.. المخاطر والتحديات والمحاذير)، لأن القضية أكبر من قصة قناة السويس وأكبر أيضًا من قصة بيع الأصول، فنحن أمام تجربة اقتصادية تحتاج إلى أن ندرسها بعين مفتوحة على تجارب الدول الأخرى، وأن نعرف متى تكون مبادلة الدين بالأصول وسيلة ذكية لإعادة ترتيب الميزانية العمومية للدولة، ومتى تتحول إلى بيع اضطراري للثروة تحت ضغط الحاجة إلى الدولار، ومتى يكون الأصل الذي يبدو في دفاتر الحكومة مجرد رقم كبير بينما يمثل في الواقع مصدرًا مستقبليًا للدخل لا ينبغي التفريط فيه، والأهم أن نعرف أين يجب أن تتوقف الحسابات المالية عندما تصل إلى أصول تمثل جزءًا من السيادة المصرية، لأن علاج أزمة الدين لا ينبغي أن يتحول إلى خلق أزمة أكبر، ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد أن ينخفض رقم الدين اليوم بينما تستيقظ الدولة غدًا وقد فقدت جزءًا من قدرتها على توليد الدخل أو جزءًا من أصولها الاستراتيجية، فالمعيار الحقيقي لأي مبادلة ناجحة ليس كم مليار دولار اختفت من جدول الدين، وإنما كم أصبحت مصر أقوى ماليًا بعد العملية، وكم انخفضت تكلفة خدمة الدين، وكم احتفظت الدولة من أصولها المنتجة والاستراتيجية، وكم أصبحت أقل احتياجًا إلى الاقتراض من جديد.


د. عمرو الهلالي

كاتب سياسي وباحث اقتصادي