بين الجبال الشامخة والأودية العميقة والتكوينات الصخرية التي نحتتها عوامل الطبيعة عبر آلاف السنين، يفتح مسار شق الريش في محمية ضانا للمحيط الحيوي نافذة على واحد من المشاهد الطبيعية اللافتة في محافظة الطفيلة، حيث تتداخل المغامرة مع التأمل، وتتحول الصخور والمنحدرات والكهوف إلى لوحات طبيعية متجددة.
ويمتد المسار في الجزء الجنوبي من قرية ضانا ضمن حدود المحمية، عابراً تضاريس متنوعة تتوزع فيها الشقوق الصخرية والتجاويف والقباب والكهوف، إلى جانب النباتات البرية والأشجار، فيما تتكشف أمام الزائر إطلالات واسعة على الأودية والجبال، تمنحه تجربة مختلفة في قلب الطبيعة.
طبيعة تنحت جمالها بنفسها
ويتميز شق الريش بتكوينات صخرية متعددة الألوان والأشكال، تشكلت بفعل التعرية والرياح والمياه على امتداد فترات زمنية طويلة، فيما تبدو القباب والتجاويف الصخرية وكأنها أعمال فنية صنعتها الطبيعة دون تدخل بشري.
وفي بعض المقاطع تضيق الممرات بين الصخور، قبل أن تنفتح مجدداً على مشاهد بانورامية واسعة، فيما تظهر الكهوف والمغارات والتجاويف التي تضيف للمسار بعداً استكشافياً، وتمنح هواة التصوير فرصاً لالتقاط مشاهد تتغير تفاصيلها مع اختلاف الضوء والارتفاع وموقع الزائر.
ولا تقتصر جمالية المكان على الصخور، إذ يضفي الغطاء النباتي والحياة البرية التي تتميز بها ضانا بعداً آخر على الرحلة، لتصبح تجربة المشي في المسار رحلة بين منظومات طبيعية متداخلة.
حكاية مكان تحملها الصخور
ولا تكتمل حكاية شق الريش بجماله الطبيعي وحده، إذ يختزن الموقع جوانب تاريخية وأثرية تستحق مزيداً من البحث والتوثيق.
ويشير المؤرخ والأديب الدكتور إسحاق عيال سلمان إلى وجود خربة أثرية تعرف باسم خربة شق الريش، لافتاً إلى أن تسمية المنطقة ترتبط بطبيعة المكان وشقوقه وتكويناته الجبلية، في حين تنتشر في المناطق المرتفعة آبار مياه كانت تمثل مورداً مهماً في البيئة الجبلية.
ويبين أن المنطقة المحيطة بشق الريش تزخر كذلك بمواقع ذات قيمة طبيعية وتاريخية، من بينها خربة النواطف التي تضم عين النواطف وقصر بنت السلطان، إضافة إلى مواقع مثل شق سكوت، وخانق العبد، وبرج الزراعة، والمسكر، ما يفتح المجال أمام تطوير مسارات سياحية مترابطة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والاستكشاف.
ويقدر طول المسار بنحو 8 كيلومترات بحسب نقطة الانطلاق ونهاية الجولة وخط السير الذي تختاره المجموعات، فيما تستغرق الرحلة عادة بين 3 و4 ساعات، تبعاً لسرعة المشي ومحطات التوقف.
وتتراوح درجة صعوبة المسار بين المتوسطة، مع وجود منحدرات وتضاريس صخرية ومقاطع غير مستوية تتطلب اللياقة والانتباه، ما يجعله مناسباً لمحبي المشي الجبلي والمغامرة ممن يمتلكون القدرة البدنية الملائمة.
وقد تمتد بعض الجولات لتشمل مواقع مجاورة، وهو ما اختبره فريق «عتبات التاريخ» خلال إحدى جولاته التي بلغت نحو 16 كيلومتراً وشملت شق الريش وخشم إسماعيل وطبقة قطيش وغيرها من المحطات.
«سيدة الدهشة»..
ويصف أعضاء فريق «عتبات التاريخ» تجربتهم في المنطقة بأنها رحلة في قلب «سيدة الدهشة»، في إشارة إلى ضانا وما تختزنه من جبال وأودية وتكوينات صخرية وتنوع حيوي ومواقع تاريخية.
ويؤكد سلمان أن الفريق خاض تجربة المسار بهدف توثيق تفاصيله ومحطاته والتعريف بالمواقع الطبيعية والتاريخية في الطفيلة، مشيراً إلى أن شق الريش يمتلك مقومات تؤهله ليكون جزءاً من برامج سياحة المغامرات والمشي الجبلي، شريطة تعزيز التوثيق والترويج وتوفير المعلومات الدقيقة للزوار.
وبين خبير المسارات السياحية في الطفيلة الكابتن أوس المرايات ، أن شق الريش يمثل نموذجاً لمسارات يمكن أن تسهم في تنويع المنتج السياحي في الطفيلة، خصوصاً أن قيمة التجربة لا تكمن في المشهد الطبيعي وحده، بل في إمكانية الربط بين المواقع الطبيعية والأثرية المحيطة ضمن برامج سياحية متخصصة.
ويرى أن تطوير المسار يتطلب إعداد خرائط واضحة، وتحديد نقاط البداية والنهاية ودرجات الصعوبة، ووضع لوحات إرشادية، إلى جانب الترويج الرقمي وإنتاج مواد تصويرية توثق تفاصيله، والاستفادة من خبرات الأدلاء المحليين في تعريف الزوار بجغرافية المنطقة وتاريخها.
الطبيعة حين تروي تاريخها
ويرى مهتمون بالشأن السياحي أن محمية ضانا للمحيط الحيوي تمنح شق الريش قيمة إضافية، باعتبار أن الموقع يأتي ضمن بيئة تجمع بين التنوع الطبيعي والتاريخ الإنساني، وتكشف فيها الجبال والأودية والعيون والآبار والخرب الأثرية عن علاقة قديمة بين الإنسان والمكان.
وبينوا ان مسار شق الريش لا يبدو مجرد مسار للمشي، بل حكاية مفتوحة بين الحجر والماء والتاريخ؛ فكل شق صخري يحمل أثراً، وكل وادٍ يكشف مشهداً جديداً، وكل قبة طبيعية تضيف إلى ذاكرة المكان صورة أخرى.
وإذا ما جرى توثيق المسار ومواقعه المحيطة بصورة علمية، وربطها بخريطة سياحية واضحة، وتطوير الخدمات والإرشادات اللازمة، فإن شق الريش يمكن أن ينتقل من مسار يعرفه محبو المغامرة إلى محطة أكثر حضوراً على خريطة السياحة الطبيعية في الطفيلة.
وما يحتاجه شق الريش اليوم هو أن تُروى حكايته بصورة تليق بجماله، وأن تصل هذه الحكاية إلى الزائر قبل أن يبدأ خطوته الأولى في مسارٍ تتحدث فيه الطبيعة بلغة الحجر واللون والدهشة.سمير المرايات "الدستور"