2026-08-30 - الأحد
سلطة وادي الأردن: مياه سد الملك طلال صالحة للري ولا حظر على استخدامها عام على غياب "صوت المقاومة".. كيف صنع أبو عبيدة معادلة الحرب النفسية؟ بتصريح "غامض".. سيميوني يتحدث عن مستقبل ألفاريز تفشي السرقة والنهب أثناء عمليات البحث عن ضحايا فيضانات نيبال ندوة في مهرجان الفحيص حول نجاحات المرأة الأردنية الاردن .. تحذيرات من السيول والصواعق البنك العربي داعم استراتيجي لمركز الشباب العربي - الأردن عيد ميلاد الملكة رانيا العبدالله يصادف يوم غد .. عام من الحضور .. فرحة عائلية ونشاط ممتد من الميدان الأردني إلى المنابر العالمية رجلٌ من أهل الكرم والمواقف حبس أردنية أسبوعين وتعويض زوجها بعد ضربه بمزهرية وعضّه 7:34 دقيقة معدل زمن استجابة الدفاع المدني للحوادث خلال الـ24 ساعة الماضية البنك العربي داعم استراتيجي لمركز الشباب العربي - الأردن تنشيط السياحة تشارك في فعاليات الدورة 63 من معرض دمشق الدولي سوريا ضيفة شرف معرض عمّان الدولي للكتاب 2026 اختتام فعاليات مهرجان شبيب بدورته الــ32 الوزير المتطرف بن غفير يقتحم زنازين الأسيرات الفلسطينيات ويتفاخر بالتنكيل بالأسرى الشيخ محمود الحساسنة.. علمٌ ودعوةٌ ورسالةٌ تصل إلى القلوب و العقول الجولة الأولى من دوري المحترفين تبدأ الخميس وتُستهل بلقاء البقعة ودوقرة قرب إطلاق الحزمة الأولى من الأنظمة الإلكترونية المحدثة لوزارة العمل رئيس جامعة عجلون الوطنية: الجامعات عماد الدولة وبناء الإنسان أساس التنمية
وفاة العميد المتقاعد المهندس يوسف العيطان «أبو عمار».. مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة الوطن والجيش العربي وفاة وإصابة بتصادم "قلابين" في القطرانة وفاة عصمت عبدالقادر النداف.. رحيل رجل من خيرة الرجال رحيل الإعلامي علي الجفال الشمري "أبو سيف".. سيرة طيبة وأثر باقٍ في قلوب محبيه الفاهوم يكتب مارتن إيدن… حين يصنع الإنسان نفسه وفاة الشاب راشد مصطفى سعد خليفات أثر حادث سير مؤسف. شكر على التعازي بوفاة (الحاج صالح إبراهيم صالح خريسات) وفاة الشاب سعد يوسف فريح أبو صعيليك وفاة فتاة بعد سقوطها عن الطابق الخامس في عمّان الحاجة ملك اعقاب الفايز في ذمة الله الحاجة واجد موسى علي الطيب في ذمة الله قبيلة العدوان تنعى الحاج مصطفى صالح جديع العدوان (أبو ركان).. رجل المواقف والكرم في ذمة الله وفاة زوجة محمد ناصر الشحون المحارب وفاة «أبو عصام» عميد آل كريزم في إربد.. رجلٌ ترك بصمة في الناس والمجتمع وفاة الفاضلة " حنان سلامة المعاني" زوجة العميد المتقاعد ماجد الحباشنة زوجة النائب السابق محمد الشوابكة في ذمة الله الشيخ محمد مصطفى بني هذيل ينعى صديقه الشيخ علي فريج راشد في مصر وفاة صبحه الفحيلي «أم نواف» زوجة المرحوم مفضي نهار الجبور وفاة أردني في الولايات المتحدة بحادث مؤسف وفاة أحمد عبدالكريم سالم الزواهره «أبو محمد»

عمر محمد عبد الحتاملة.. عالم أردني يقود الذكاء الاصطناعي في ناسا ويصنع جسورًا بين الأردن والعالم

{clean_title}
نيروز الإخبارية :

العالم الأستاذ الدكتور عمر محمد عبد الحتاملة: "من البيئة العلمية الأردنية إلى قيادة الذكاء الاصطناعي في وكالة ناسا الفضائية "...

حين نتحدث عن الشخصيات الأردنية التي تجاوزت حدود الجغرافيا المحلية إلى فضاء العالمية، فإننا لا نتحدث فقط عن نجاح فردي، ولا عن مسيرة مهنية انتهت إلى منصب رفيع في مؤسسة علمية كبرى، وإنما نتحدث عن نموذج من نماذج انتقال العقل الأردني من البيئة المحلية إلى قلب المنظومة العلمية العالمية. وفي مقدمة هذه النماذج يبرز الأستاذ الدكتور عمر محمد عبد الحتاملة، بوصفه عالمًا ومهندسًا وباحثًا ومفكرًا في الابتكار والتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي، ارتبط اسمه على مدى سنوات طويلة بوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وبعدد من المؤسسات والمنتديات العلمية والتكنولوجية العالمية.
وتكتسب شخصية الدكتور عمر الحتاملة أهمية خاصة من زاويتين متكاملتين: الأولى تتصل بمنجزه العلمي والتقني والمهني في واحدة من أكثر المؤسسات العلمية تقدمًا في العالم، والثانية تتصل بالبيئة العلمية والفكرية التي نشأ فيها، وهي بيئة ارتبطت بالبحث والتاريخ والمعرفة والمنهجية العلمية. وهذه الثنائية جديرة بالتأمل؛ لأن العالم لا يصنعه تخصصه وحده، وإنما تصنعه كذلك طريقة تفكيره، ونوعية الأسئلة التي يتعلم أن يطرحها، والبيئة التي تدفعه منذ طفولته إلى النظر إلى المعرفة بوصفها مسؤولية ورسالة لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة.
ومن هنا يمكن قراءة مسيرة الدكتور عمر الحتاملة باعتبارها نموذجًا أردنيًا للعالم الذي جمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والرؤية المستقبلية، وبين الهندسة والتكنولوجيا من جهة، والفكر الاستراتيجي والإنساني من جهة أخرى.
تشير المصادر العلمية والمؤسسية إلى أن عمر حتاملة امتلك تكوينًا هندسيًا متعدد المستويات؛ فقد حصل على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من الجامعة الأردنية، ثم درجة ماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة ولاية كاليفورنيا في ساكرامنتو، وماجستير هندسة في هندسة المواد من جامعة ولاية نورث كارولاينا، ثم الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من جامعة ساوث كارولاينا. وهذا التعدد في التخصصات ليس تفصيلًا عابرًا، بل يمثل مفتاحًا مهمًا لفهم شخصيته العلمية؛ إذ إن التكنولوجيا الحديثة لم تعد تسمح بالعمل داخل حدود التخصص الضيقة، بل أصبحت تتطلب القدرة على الجمع بين الهندسة والمواد والبيانات والأنظمة والابتكار والذكاء الاصطناعي.
وقد أمضى الدكتور عمر سنوات طويلة في وكالة ناسا، متنقلًا بين مواقع علمية وقيادية مختلفة، فعمل في مجالات الابتكار والهندسة، وشغل منصب المدير التنفيذي لبرنامج الدراسات الفضائية في الجامعة الدولية للفضاء، كما تولى في مراحل سابقة منصب نائب كبير العلماء في مركز أبحاث أميس التابع لناسا، حيث ارتبط عمله بتحديد مجالات البحث العلمي الواعدة والتقنيات التي يمكن دمجها في قدرات المركز. كما شغل منصب رئيس الابتكار في الهندسة بمركز جونسون للفضاء.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص شخصيته العلمية: فهو لم يتعامل مع العلم باعتباره تراكمًا معرفيًا فقط، بل تعامل معه باعتباره قدرة على استشراف المستقبل وتحويل المعرفة إلى تطبيق. وهذه النقطة بالذات تفسر انتقال اهتمامه تدريجيًا نحو الابتكار والتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي.
وفي السنوات الأخيرة برز اسمه بصورة أكثر وضوحًا في مجال الذكاء الاصطناعي داخل ناسا. وتوضح وثيقة صادرة عن ناسا أن مكتب الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في مركز جودارد لرحلات الفضاء تأسس عام 2024 بهدف توظيف الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف حدود الاستكشاف الفضائي والفهم العلمي والابتكار التقني، وأن الدكتور عمر حتاملة قاد هذا المسار بصفته رئيس الذكاء الاصطناعي في المركز. كما تمحورت الاستراتيجية حول ثلاثة اتجاهات أساسية، من بينها تسريع الاكتشاف العلمي والتقني اعتمادًا على الكم الهائل من البيانات، وتمكين المهمات الفضائية المعقدة من خلال الكفاءة والقدرة على التكيف والاستقلالية، ودعم مستقبل الاستكشاف الفضائي.
وهذا الدور يكشف عن طبيعة مختلفة للذكاء الاصطناعي؛ فالذكاء الاصطناعي في المؤسسات الفضائية الكبرى ليس مجرد برامج للمحادثة أو أدوات للبحث السريع، وإنما منظومة استراتيجية تدخل في تحليل البيانات، والتنبؤ، ودعم القرار، والاستقلالية، وإدارة المهمات، واكتشاف الأنماط، وتحسين الكفاءة، ومساندة العلماء والمهندسين في التعامل مع مشكلات تتجاوز في حجمها وتعقيدها القدرة البشرية التقليدية على المعالجة.
ومن هنا فإن أهمية الدكتور عمر الحتاملة لا تكمن فقط في ارتباطه باسم ناسا، وإنما في موقعه داخل التحول التاريخي الذي انتقل فيه الذكاء الاصطناعي من كونه مجالًا متخصصًا داخل علوم الحاسوب إلى كونه بنية أساسية في العلوم والهندسة والاقتصاد والإدارة والتعليم والطب والفضاء.
لقد نشر الدكتور عمر أكثر من ثلاثة وثلاثين بحثًا في مجلات هندسية دولية، وفق مصادر مؤسسية متعددة، وحصل على عدد من جوائز ناسا وتكريماتها، من بينها ميدالية الإنجاز وجوائز الابتكار والإنجاز المتميز. كما يحمل أربعة مؤهلات هندسية ويتحدث أربع لغات، وشارك متحدثًا رئيسيًا في مؤتمرات وفعاليات دولية مرتبطة بالابتكار والتكنولوجيا.
وهذه المعطيات تكشف أن شخصيته ليست شخصية "تقني" يعمل داخل مختبر منعزل، وإنما شخصية علمية ذات امتداد استراتيجي. فالعالم في القرن الحادي والعشرين لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يحتاج إلى القدرة على التواصل مع المؤسسات، وصناعة الرؤية، وشرح التحولات التكنولوجية لصناع القرار، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والاقتصاد والإنسان.
وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في مؤلفاته.
ففي كتابه "BetweenBrains"، الذي صدر بالاشتراك مع جورج تيلش، تناول الدكتور عمر حتاملة الذكاء الاصطناعي من زاوية تتجاوز التقنية إلى أسئلة مستقبل العمل والأخلاق والتكنولوجيا والاقتصاد، أي إنه حاول قراءة الذكاء الاصطناعي باعتباره تحولًا حضاريًا لا مجرد تطور تقني.
وفي كتابه "Esta vez es diferente: Cuando la inteligencia artificial trasciende a la humanidad"، الصادر عام 2024، يتناول مستقبل الذكاء الاصطناعي وما يحمله من فرص ومخاطر، بما في ذلك القضايا الأخلاقية والخصوصية والأمن، محاولًا تقديم رؤية تساعد الإنسان على التعامل مع العالم الجديد الذي تفرضه هذه التكنولوجيا.
أما كتابه المشترك مع مايكل لوريك، "AI and Innovation: How to Transform Your Business and Outpace the Competition with Generative AI"، فينتقل من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي، إذ يبحث في كيفية بناء منظومات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، واستخدام الأطر والأدوات وحالات الاستخدام لتغيير القطاعات وخلق فرص جديدة، مع تناول قضايا التحيز والأمن والخصوصية.
وهنا يمكن تسجيل ملاحظة منهجية مهمة: إن قيمة هذه المؤلفات لا تأتي من كون مؤلفها يعمل في ناسا فحسب، وإنما من كونها تعكس مسارًا فكريًا يحاول الربط بين التكنولوجيا والإنسان والمؤسسة. وهذه هي إحدى العلامات الأساسية في شخصية العالم الحقيقي؛ إذ لا يتحول العلم عنده إلى مجموعة مصطلحات تقنية، وإنما يصبح طريقة لفهم العالم.
أما البيئة العلمية التي نشأ فيها الدكتور عمر، وفق المعطيات التي تطرحها حول أسرته، فتستحق قراءة خاصة. فالإنسان الذي ينشأ في بيت يحضر فيه المؤرخ والباحث والكتاب والمخطوط والوثيقة والسؤال العلمي، يتعلم بصورة غير مباشرة أن المعرفة ليست ترفًا. وإذا كان والده الأستاذ الدكتور محمد عبد الحتاملة قد مثّل، بحسب هذا السياق العائلي، حضورًا علميًا وتاريخيًا مؤثرًا، فإن أثر الأب لا يقاس فقط بما يكتبه من كتب أو ينشره من بحوث، وإنما بما يزرعه في أبنائه من احترام للعلم، والانضباط في التفكير، والبحث عن الدليل، والابتعاد عن الأحكام السريعة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في تفسير نجاح الأبناء في البيئات العلمية. فالمنهجية لا تنتقل بالوراثة البيولوجية، وإنما تنتقل بالثقافة اليومية. أن يرى الطفل والده يقرأ، ويبحث، ويقارن، ويكتب، ويدقق، ويعود إلى المصادر، ويختلف مع الآخرين بالحجة، ويقبل النقد العلمي؛ كل ذلك يتحول مع مرور الزمن إلى نمط تفكير.
ومن هنا يمكن فهم المسار العائلي الذي يجمع بين المؤرخ والعالم التقني. فالتاريخ والذكاء الاصطناعي، رغم اختلاف مجاليهما، يشتركان في شيء جوهري: كلاهما يحتاج إلى عقل قادر على تنظيم المعلومات، وتمييز الصحيح من الخاطئ، وفهم السياق، وتحليل العلاقات، وبناء الاستنتاج على مقدمات واضحة.
وإذا كان الدكتور عمر قد اختار مجال الهندسة والفضاء والذكاء الاصطناعي، فإن ذلك لا يعني انفصاله عن البيئة الفكرية التي نشأ فيها، بل يمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا لها في مجال مختلف. فالأب يشتغل على ذاكرة الإنسان والمجتمع والدولة، والابن يشتغل على مستقبل الإنسان والتكنولوجيا والفضاء. كلاهما، في النهاية، يشتغل على المعرفة.
وتتضح هذه الصلة كذلك في وجود الدكتور قيصر الحتاملة، الذي يمثل بدوره نموذجًا آخر من الكفاءة العلمية والثقافية داخل الأسرة، الأمر الذي يجعل الحديث عن الأسرة العلمية أكثر من مجرد احتفاء عائلي؛ فهو حديث عن ثقافة معرفية تتعدد أشكالها وتلتقي في احترام العلم والعمل المؤسسي والتوثيق.
ومن أبرز ما يميز الدكتور عمر في تقديري العلمي قدرته على الجمع بين "العالم" و"المفكر". فالعالم المتخصص يستطيع أن يعرف كيف تعمل التقنية، لكن المفكر يسأل: لماذا نستخدمها؟ ولأي غاية؟ وما نتائجها؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟ وماذا يحدث للمجتمع إذا تجاوزت التقنية قدرة المؤسسات على إدارتها؟
ولهذا نجد أن محاضراته في الأردن خلال الفترة الأخيرة لم تقتصر على عرض تقني للذكاء الاصطناعي، وإنما اتجهت إلى قضايا التعليم وسوق العمل وصنع القرار والتحولات المستقبلية والأخلاقيات. فقد استضافته جامعة اليرموك في كانون الأول 2025 لإلقاء محاضرة علمية حول دور الذكاء الاصطناعي في تحويل المستقبل، وتحدث فيها عن حضور الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة وضرورة التكيف مع التحولات التي يحدثها.
كما استضافته جامعة عمّان العربية في كانون الثاني 2026 في محاضرة متخصصة حول الذكاء الاصطناعي وصناعة المستقبل، وجرى التركيز على أثر الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة وصناعة القرار وسوق العمل.
وفي فعالية "Transforming the Future" التي شاركت فيها جامعات عربية، تحدث الدكتور عمر عن الأثر المتسارع للذكاء الاصطناعي في التعليم والاقتصاد والطب وسوق العمل، مع التأكيد على البعد الأخلاقي وعلى ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لدعم التفكير النقدي وصناعة القرار، لا بديلًا عن العقل البشري. وشارك في الفعالية أكثر من 150 أكاديميًا من جامعات عربية، وممثلون عن 14 دولة عربية.
وهذا الموقف بالغ الأهمية بالنسبة إلى الجامعات العربية. فالخطر الحقيقي ليس في أن تستخدم الجامعة الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن تستخدمه بلا فلسفة تربوية واضحة. فالجامعة التي تسمح للطالب بأن يستبدل التفكير بالآلة لا تصنع عالمًا، وإنما تصنع مستخدمًا للتقنية. أما الجامعة التي تعلم الطالب كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يقارن، وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وبناء الفرضيات وتوسيع المعرفة، فإنها تستخدم التقنية لبناء الإنسان.
ومن هنا يمكن اقتراح نموذج عربي للاستفادة من خبرة الدكتور عمر حتاملة يقوم على خمسة مستويات.
المستوى الأول هو بناء البنية التحتية الرقمية في الجامعات، لأن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى بيانات، وحوسبة، وشبكات، وأمن معلومات، وقواعد بيانات مؤسسية.
والمستوى الثاني هو إعداد أعضاء هيئة التدريس. فلا يكفي أن نشتري الأنظمة والمنصات إذا كان الأستاذ الجامعي لا يعرف كيف يوظفها في البحث والتعليم.
والمستوى الثالث هو إعادة بناء المناهج. يجب ألا يبقى الذكاء الاصطناعي مادة هامشية في أقسام الحاسوب فقط، بل ينبغي أن تدخل مبادئه وتطبيقاته في الطب والهندسة والاقتصاد والإدارة والزراعة والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
والمستوى الرابع هو أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الخصوصية وحماية البيانات والتحيز والشفافية والمسؤولية البشرية.
أما المستوى الخامس فهو بناء شراكات حقيقية بين الجامعات والمؤسسات الوطنية والقطاع الصناعي ومراكز البحث، بحيث تنتقل المعرفة من قاعات المحاضرات إلى المشروعات والمختبرات.
ومن هذه الزاوية يمكن للأردن أن يستفيد بصورة كبيرة من خبرات أبنائه الموجودين في المراكز العلمية العالمية. فالعالم الأردني الذي يعمل في وكالة مثل ناسا لا ينبغي أن يكون حضوره في الأردن مقتصرًا على محاضرة عابرة، بل يمكن تحويل خبرته إلى جسور علمية مستدامة، وبرامج تدريب، ومشروعات بحثية مشتركة، ومختبرات للذكاء الاصطناعي، وحاضنات للابتكار، وشبكات تعاون بين الجامعات الأردنية والمؤسسات العالمية.
إن تحليل شخصية الدكتور عمر الحتاملة يقودنا في النهاية إلى مجموعة من السمات المتداخلة: عقل هندسي، وتكوين أكاديمي متعدد التخصصات، وخبرة مؤسسية طويلة، وقدرة على استشراف المستقبل، واهتمام بالابتكار، وإدراك للجانب الأخلاقي للتكنولوجيا، وقدرة على التواصل مع جمهور عالمي متنوع.
وما يلفت النظر في هذه الشخصية أن نجاحها لم يكن وليد لحظة واحدة، وإنما حصيلة تراكم طويل من التعليم والبحث والعمل المؤسسي. وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون درسًا للأجيال الأردنية والعربية؛ فالعالمية لا تبدأ من شعار "نريد أن نكون عالميين"، وإنما تبدأ من مدرسة جيدة، وأستاذ جامعي جاد، وأسرة تحترم العلم، وطالب يتعلم أن السؤال أهم من الحفظ، وأن البحث أهم من النقل، وأن التجربة أهم من الادعاء.
إن الدكتور عمر الحتاملة يمثل، في هذا السياق، نموذجًا للعالم الأردني الذي خرج من البيئة الوطنية إلى الفضاء العالمي دون أن يفقد صلته بوطنه. وتزداد قيمة هذا النموذج عندما يعود إلى الأردن ليتحدث إلى طلبة الجامعات وأساتذتها، ويناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي، ويحاول أن يضع المجتمع الأكاديمي أمام التحولات التي لن تنتظر أحدًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من هذه التجربة أن صناعة العلماء ليست عملية تبدأ عند الجامعة وتنتهي عند الدكتوراه؛ إنها تبدأ داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي طريقة النظر إلى الكتاب والمعرفة، وفي احترام السؤال، وفي تربية الأبناء على الاستقلال الفكري والانضباط العلمي.
ومن هنا فإن الحديث عن الأستاذ الدكتور عمر محمد عبد الحتاملة لا ينبغي أن يكون حديثًا عن "عالم أردني يعمل في ناسا" فقط، فهذا الوصف، على أهميته، لا يستنفد التجربة. الأهم أنه نموذج للإنسان العربي الذي استطاع أن يدخل واحدة من أعقد البيئات العلمية في العالم، وأن ينتقل من الهندسة إلى الابتكار، ومن الابتكار إلى الاستشراف، ومن الاستشراف إلى الذكاء الاصطناعي، ومن العمل التقني إلى صياغة الرؤية المستقبلية.
إن قيمة هذه التجربة بالنسبة للأردن والعالم العربي تتمثل في أنها تفتح سؤالًا أكبر: كيف نستطيع أن ننتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج المعرفة؟ وكيف يمكن أن نربي أبناءنا بحيث لا يكونوا مجرد مستخدمين للذكاء الاصطناعي، وإنما علماء ومهندسين ومفكرين قادرين على تطويره وتوجيهه لخدمة الإنسان؟
وهنا تبرز الأسرة العلمية بوصفها مؤسسة تربوية أولى. فإذا كان الأب المؤرخ والباحث قد جعل من الكتاب والبحث والمنهجية جزءًا من الحياة اليومية، فإن الابن استطاع أن يأخذ هذه الروح المنهجية إلى مجال مختلف تمامًا، هو الهندسة والفضاء والذكاء الاصطناعي. وفي ذلك درس عميق: اختلاف التخصص لا يعني اختلاف قيمة المنهج؛ فالعقل العلمي واحد، وإن تعددت ميادينه.
إن الأردن يحتاج اليوم إلى استثمار هذه النماذج لا بوصفها شخصيات للاحتفاء فقط، بل بوصفها جسورًا بين الأردن والعالم. فالعالم الأردني في الخارج يمكن أن يكون سفيرًا للعلم، ومستشارًا للجامعات، وموجهًا للشباب، وشريكًا في بناء السياسات العلمية والتكنولوجية.
وإذا أحسن الأردن توظيف هذه الطاقات، وأقيمت شراكات حقيقية بين علمائه في الخارج ومؤسساته في الداخل، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول من مجرد موضوع للمؤتمرات إلى مشروع وطني شامل: في الجامعة، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي الإدارة، وفي الصناعة، وفي البحث العلمي، وفي الزراعة، وفي الخدمات الحكومية.
وهذه هي القراءة الأعمق لمسيرة الدكتور عمر الحتاملة: أن النجاح العلمي الفردي يمكن أن يتحول إلى قيمة وطنية عندما يتحول صاحبه إلى جسر بين المعرفة العالمية والحاجة المحلية.
إنه نموذج يؤكد أن الأردني قادر على الوصول إلى أعلى المؤسسات العلمية العالمية متى امتلك التكوين الصحيح، وأن البيئة العلمية الجادة تستطيع أن تصنع أبناءً لا يحملون شهادات فقط، بل يحملون القدرة على التفكير والإبداع والتغيير.
ومن هنا فإن سيرة الأستاذ الدكتور عمر محمد عبد الحتاملة ليست مجرد سيرة عالم في الذكاء الاصطناعي، بل هي قصة عقل أردني انتقل من سؤال المعرفة إلى سؤال المستقبل، ومن الهندسة إلى الفضاء، ومن التكنولوجيا إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الإنجاز الفردي إلى إمكانية بناء جسور علمية بين الأردن والعالم.
وهذه، في جوهرها، هي الرسالة التي ينبغي أن نلتقطها: الأوطان لا تبنى بكثرة المتعلمين فقط، وإنما بصناعة العقول القادرة على تحويل العلم إلى مشروع للمستقبل وللأجيال ...

●بقلم : المؤرخ والروائي. 
أ.د ياسر طالب الخزاعله. 
٢٩ أغسطس ٢٠٢٦م.