كشف باحثون في جامعة ساوثهامبتون البريطانية عن أداة بحثية جديدة تتيح رصد تغيرات دقيقة في أورام سرطان الثدي، في خطوة قد تسهم مستقبلًا في تحديد الأورام الأكثر عدوانية والتنبؤ بمسار المرض.
وطوّر الباحثون منصة CenSegNet لتحليل الجسيمات المركزية، وهي تراكيب صغيرة داخل الخلايا تؤدي دورًا أساسيًا في انقسامها والحفاظ على بنيتها. وتتعرض هذه التراكيب لتغيرات في الخلايا السرطانية، إلا أن دراستها على نطاق واسع ظلت تمثل تحديًا باستخدام الأساليب التقليدية.
واستخدم الفريق المنصة لتحليل أكثر من 330 ألف جسيم مركزي في 911 عينة من أورام سرطان الثدي، جُمعت من 127 مريضة بالتعاون مع مستشفى جامعة ساوثهامبتون، ما أتاح رسم خريطة دقيقة للتغيرات التي تطرأ على هذه التراكيب في مناطق مختلفة من الورم.
وأظهرت النتائج أن تشوهات الجسيمات المركزية لا تظهر بصورة واحدة، بل تتخذ شكلين رئيسيين؛ يتمثل الأول في زيادة عددها داخل الخلايا بصورة غير طبيعية، فيما يرتبط الثاني بزيادة حجمها. كما تبين أن النوعين قد يظهران بشكل مستقل، وقد يتركز كل منهما في مناطق مختلفة من الورم ذاته.
وقال الدكتور صلاح إلياس، الذي قاد الدراسة في كلية العلوم البيولوجية ومعهد علوم الحياة بجامعة ساوثهامبتون، إن تشوهات الجسيمات المركزية معروفة منذ أكثر من قرن باعتبارها إحدى سمات السرطان، إلا أن دراستها داخل أنسجة المرضى كانت مهمة معقدة.
وأوضح أن هذه التراكيب تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم انقسام الخلايا والحفاظ على بنيتها، وأن الخلل فيها قد يسهم في تراكم أخطاء جينية داخل الخلايا السرطانية، مشيرًا إلى أن منصة CenSegNet تتيح دراسة هذه التغيرات على مستوى الخلية الواحدة والورم بأكمله، الأمر الذي يساعد على كشف أنماط يصعب رصدها بالطرق التقليدية.
وربطت الدراسة بين بعض تغيرات الجسيمات المركزية وخصائص أكثر عدوانية لسرطان الثدي، إذ ارتبط ارتفاع مستويات الجسيمات المركزية المتضخمة بارتفاع درجة الورم، وانتشار السرطان إلى العقد الليمفاوية، وظهور بعض التغيرات الجينية.
كما أظهرت النتائج أن المريضات اللاتي احتوت أورامهن على مستويات أقل من الجسيمات المركزية المتضخمة في مركز الورم حققن معدلات بقاء أفضل، وهو ما يرى الباحثون أنه قد يفتح المجال أمام استخدام خصائص هذه التراكيب كمؤشرات حيوية تساعد في تقييم خطورة الورم بصورة أكثر دقة.
وأشار إلياس إلى أن اختلاف أنواع تشوهات الجسيمات المركزية وتوزيعها داخل الورم قد يرتبط بطريقة نمو السرطان وانتشاره ومدى استجابته للعلاج.
ورغم أن التقنية لا تزال في المرحلة البحثية ولم تصل بعد إلى الاستخدام السريري الروتيني، فإن الباحثين يرون أنها قد تمهد لتطبيقات جديدة في مجال علاج السرطان، من خلال المساعدة في تحديد المرضى الذين لديهم أورام أكثر عدوانية، وربما اختيار علاجات تستهدف نقاط ضعف محددة في الخلايا السرطانية.
وتبرز أهمية هذه النتائج بالتزامن مع تطوير أدوية تستهدف البروتينات المسؤولة عن تنظيم وظائف الجسيمات المركزية، إذ قد تساعد معرفة نوع الخلل الموجود في الورم مستقبلًا على تحديد العلاج الأكثر ملاءمة لكل مريض.
ولا تقتصر إمكانات منصة CenSegNet على سرطان الثدي، إذ أظهر الباحثون إمكانية استخدامها في تحليل عينات من الكلى والقولون والزائدة الدودية. كما أن المنصة متاحة كمشروع مفتوح المصدر، بما يتيح للباحثين حول العالم الاستفادة منها وتطويرها.
ويعمل الفريق حاليًا على دمج نتائج تحليل الجسيمات المركزية مع البيانات الجينومية والترانسكريبتومية والبروتيومية، بهدف معرفة ما إذا كان الجمع بين هذه البيانات يمكن أن يسهم في التنبؤ بتطور السرطان، ودعم قرارات العلاج، وتحسين النتائج المستقبلية للمرضى.