لم يكن لقاء *جلالة الملك عبدالله الثاني حفظة الله ورعاه* في بكين مع مسؤولين في إدارة الأصول المملوكة للدولة الصينية مجرد محطة في زيارة رسمية، بل يمكن أن يكون مدخلاً لفتح نقاش أردني أعمق حول سؤال اقتصادي واستراتيجي مهم: كيف ندير ما نملك، وكيف نجعل ما نملك أكثر قيمة؟
فالأردن لا يملك موارد الصين ولا حجم سوقها أو قدراتها المالية، لكنه يمتلك عناصر قوة مهمة: موقعًا استراتيجياً، وموارد بشرية مؤهلة، وخبرة متراكمة، واستقراراً وقدرة على بناء الشراكات، وقرباً من أسواق إقليمية واسعة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في حجم ما نملك، بل في قدرتنا على تحويل ما نملك إلى قيمة وثروة ونمو.
فالأرض ليست مجرد أرض إذا كان بالإمكان تطويرها، والشركة الحكومية ليست مجرد مؤسسة إذا كان بالإمكان رفع كفاءتها وتوسيع أسواقها، والموارد الطبيعية ليست مجرد مواد خام إذا كان بالإمكان تحويلها إلى صناعات ذات قيمة مضافة، والموقع الجغرافي ليس مجرد ميزة على الخريطة إذا كان بالإمكان تحويله إلى مركز إقليمي للتجارة والطاقة واللوجستيات.
من هنا، ينبغي أن ننتقل من السؤال التقليدي: ماذا تملك الدولة؟ إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف نضاعف قيمة ما تملك الدولة؟
وهذا يتطلب النظر إلى أصول الدولة باعتبارها محفظة وطنية متكاملة، لكل أصل فيها هدف واضح، وقيمة قابلة للقياس، ومؤشرات أداء، وخطة للنمو. فليس المطلوب بيع الأصول، كما أن الاحتفاظ بها ليس هدفًا بحد ذاته؛ وإنما المعيار هو ما تحققه للوطن: هل تخلق قيمة؟ هل تولد عائداً؟ هل تجذب استثماراً؟ هل توفر فرص عمل؟ وهل يمكن أن تكون قيمتها غدًا أكبر من قيمتها اليوم؟
وهنا يستطيع الأردن الاستفادة من التجربة الصينية دون استنساخها، وبناء نموذج أردني لإدارة الأصول وتعظيم القيمة يقوم على الحوكمة، والإدارة الاحترافية، والفصل بين الملكية والإدارة، وقياس العائد، وإعادة هيكلة الأصول المتعثرة، واستثمار الأصول غير المستغلة، وإدخال الشريك الاستراتيجي عندما يكون ذلك أكثر فائدة، وتوجيه رأس المال نحو القطاعات الأكثر إنتاجية.
فقد يتحول الأصل الحكومي من ملكية ثابتة إلى منصة لجذب رأس المال والتكنولوجيا والأسواق؛ وقد يصبح الأصل الذي لا يحقق عائدًا اليوم، بعد تطويره وإدارته بكفاءة، مصدرًا مستدامًا للنمو غداً.
ومن هنا يمكن أن يبدأ الأردن مسارًا وطنيًا واضحاً: حصر الأصول، تقييمها، تصنيفها، إعادة هيكلة ما يحتاج إلى إصلاح، تطوير القابل للنمو، استثمار غير المستغل، وبناء شراكات ذكية، وإعادة توجيه العوائد نحو مشاريع ذات قيمة أعلى.
عندها يتغير السؤال من: كم نملك؟ إلى: كم أصبحت قيمة ما نملك؟
وهذه هي النقلة التي يحتاجها الاقتصاد الأردني: من إدارة الممتلكات إلى إدارة الثروة، ومن المحافظة على الأصول إلى تنمية قيمتها، ومن ملكية الدولة إلى استثمار الدولة.
فالدولة لا تصبح أقوى لأنها تملك أكثر، وإنما لأنها تدير ما تملك بكفاءة أكبر، ولعل القاعدة التي تستحق أن تصبح جزءاً من التفكير الاقتصادي الوطني هي: *كل أصل تملكه الدولة يجب أن تكون له خطة لزيادة قيمته، وكل دينار من رأس المال العام يجب أن نعرف أين يذهب، ولماذا، وماذا سيعود به على الوطن.*
عندها لن تبقى الاستفادة من تجربة الصين مجرد تبادل للخبرات، بل يمكن أن تتحول إلى بداية لتغيير أعمق في طريقة نظر الأردن إلى ثروته الوطنية, فالثروة الحقيقية ليست فقط ما ورثناه من الماضي، ولا ما هو في سجلات الدولة؛ بل قدرتنا على أن نجعل ما نملك اليوم أكثر قيمة وإنتاجاً وقدرة على خدمة الأردن غداً.
وعندها… لن نكون فقط ندير أصول الدولة، بل نبني ثروة الأجيال القادمة.