في صفحات التاريخ الإسلامي الخالدة ، تتجلى آيات القدرة الإلهية ودلائل النبوة الصادقة لتؤكد أن حفظ الله لنبيه يتجاوز الحدود والأزمان . ومن أعظم الشواهد وأكثرها عبرة ، تلك القصة التي جمعت بين عنجهية الجاهلية وتطاولها الأثيم ، وبين يقين النبوة واستجابة السماء الفورية ، لترسم نهاية حتمية لمن تجرأ على مقام النبوة الشريف ، في قصة عتيبة بن أبي لهب وعاقبة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم .
شرارة العداء وبداية الأزمة :
تزوج عتيبة بن أبي لهب أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة الإسلامية ولم يدخل بها بعد . وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته ، تعرض لضغوط وتحريض مستمر من قريش وبقيادة أبي لهب ، وكان الابن ( عتيبة بن أبي لهب ) من أشد المتطاولين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة . وقد بلغ من جرمه وعدوانه أنه كان مع والده أبي لهبٍ قد تجهزا في تجارة إلى الشام ، فقال عتيبة ابن أبي لهب : ( والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه - سبحانه - ) .
فانطلق حتى أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم ، وقال له إنه يكفر بالذي دنى فتتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم ابعث إليه كلباً من كلابك » .
ثم انصرف ابن أبي لهب ورجع إلى أبيه ، فقال أبو لهب لابنه : ( يا بني ، ماذا قلتَ له ؟ ) . فذكر له ما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( فما قال لك ؟ ) . قال : ( قال : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك ) . قال : ( يا بني ، والله ما آمن عليك دعاءه ) .
رحلة التجارة والاحتياط المرعب :
خرج عتيبة في قافلة تجارية متجهة إلى أرض الشام برفقة أناس من قريش . قال الراوي : فسرنا حتى نزلنا الشراة ، وهي مأَسدة ، ونزلنا إلى صومعة راهب ، فقال الراهب : ( يا معشر العرب ، ما أنزلكم هذه البلاد ؟ فإنها تسرح الأُسد فيها كما تسرح الغنم ! ) . فقال لنا أبو لهب : ( إنكم قد عرفتم كبر سنّي وحقّي ، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة - والله - ما آمنُها عليه ) .
فطاف بهم الأسد ، فجعل عتيبة يقول : ( يا ويل أمي هو والله آكلِي كما دعا محمد علي ، قتلني محمد وهو بمكة وأنا بالشام ، لا والله ما أظلت السماء على ذي لهجة أصدق من محمد ) .
ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه ، ثم جاء النوم ، فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسطوه بينهم ، وناموا .
النهاية الحتمية وتحقق النبوءة :
في جوف الليل المظلم ، جاء الأسد يهمس يستنشق رؤوسهم رجلاً رجلاً ، حتى انتهى إليه . وقال هبار : ( فجاء الأسد فشم وجوهنا ، فلما لم يجد ما يريد تقابض ثم وثب ، فإذا هو فوق المتاع فشم وجهه ثم ضربه ضربة ففضخ رأسه ) .
فقال عتيبة وهو بآخر رمق : ( ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس ؟ ) ومات .
فقال أبو لهب : ( ألم أقل لكم أني أخاف عليه دعوة محمد ؟ قد والله عرفت أنه ما كان لينفلت من دعوة محمد ) .
هكذا تختتم قصة عتيبة بن أبي لهب بصورة بليغة تنطق بالحق وتؤكد صدق النبوة المحمدية حتى من أعدائها عند سكرات الموت . إنها تذكرة خالدة بأن إيذاء الأنبياء والاعتداء على الحق لا مفر من عاقبته الوخيمة ، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ، لتظل هذه الحادثة درساً بليغاً عبر تعاقب الأجيال .
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) كتاب دلائل النبوة للبيهقي .
2 ) كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني .
3 ) كتاب إمتاع الأسماع للمقريزي .
4 ) كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير .
5 ) المكتبة الشاملة - فصل في قصة عتبة وعتيبة ابني أبي لهب .
6 ) موقع كتاب أونلاين - قصة عتيبة بن أبي لهب .
7 ) موقع حزب التحرير - مختصر السيرة النبوية العطرة (حلقة 57) .
8 ) إسلام ويب - دلائل النبوة لأبي نعيم (قصة عتيبة بن أبي لهب) .
9 ) قصة الأسد الذي أنتقم للنبي صلي الله عليه وسلم - مادة مرئية تتناول تفاصيل القصة كما وردت في كتب السيرة والتاريخ .