تتوالى العبقريات التشريعية التي تطل علينا بين الحين والآخر، لتثبت أننا نسبق العصر بخطوات إلى الخلف؛ ولعل أبرز تجليات هذا الإبداع يكمن في التعديلات الأخيرة على المادة (36) من قانون الإدارة المحلية، والتي أتحفتنا بتراجع تاريخي عن مبدأ الانتخابات المباشرة لتعود بنا إلى عصور التعيين البائد، ولكن هذه المرة بطبعة منقحة ومزيدة. فبدلاً من أن نترك المواطن البسيط يختار ممثليه في البلديات ومجالس المحافظات، قرر المشرّع أن يوفر علينا عناء التفكير، فجاء التعديل ليجعل التمثيل حصراً عبر التعيين من خلال مؤسسات المجتمع المدني، كالنقابات المهنية، واتحاد المرأة، واتحاد المزارعين، وغرفة التجارة؛ وكأن منتسبي هذه المؤسسات –مع كل الاحترام لدورهم المهني– قد هبطوا من كوكب آخر، أو يملكون توكيلاً لا يملكه عامة الشعب. ولا شك أن هذه التنظيمات نشطة ومنظمة بحسب طبيعة أعمالها ومصالح قطاعاتها، ولكن هل تغني نقابة أو غرفة تجارة عن صوت المواطن في الشارع والحي والقرية؟ أبداً؛ فالشعب هو مصدر السلطات، وممارسة حق الانتخاب العام ليست رفاهية سياسية يمكن مقايضتها بتمثيل قطاعي ضيق يُفصل على أهواء معينة. ويطل علينا أصحاب الحجج الواهية أحياناً بـ "فوبيا" الأخطاء الإدارية أو الشبهات المالية المحتملة في المجالس المنتخبة لدعم فكرة التعيين، وكأن المعينين هم ملائكة طاهرون لا يخطئون! وهنا يأتي دور الحقيقة الساطعة بأن القضاء الأردني النزيه هو الفيصل الحقيقي والضمانة الأكيدة إذا وقع خطأ أو تعدٍ على المال العام؛ فلماذا يُتخذ شبح الخطأ ذريعة وأداة لأد الديمقراطية من أساسها ومصادرة حق الشعب في الاختيار، بدلاً من ترك القانون يأخذ مجراه عبر القضاء العادل؟ ولم تتوقف المفارقات عند حدود التعيين فحسب، بل امتدت لتمنح الحكومة صلاحيات فضفاضة ومقلقة في التعامل مع هذه المجالس؛ إذ يحق للحكومة حل مجالس البلديات وإجراء انتخابات خلال سنة، أو التأجيل لمدة لا تزيد عن ستة أشهر. وهذه الصلاحيات المطلقة تشكل مأخذاً جوهرياً لا يغتفر على هذا القانون، بل وعلى مفهوم الديمقراطية برمتها؛ فأي ديمقراطية هذه التي تُلغى فيها إرادة الناخب بجرة قلم، ويُترك مصير المجالس رهيناً بمزاجية القرار الإداري والتأجيل المستمر، ليتبين أننا أمام "ديمقراطية على الماشي" تفصَل حسب الطلب وتُطوى متى شاءت الظروف؟ ومع كل ما حملته هذه التعديلات، وبالرغم من أن الالتفاف على الانتخابات المباشرة لا يليق أبداً بالشعب الأردني وما وصل إليه من مستويات متقدمة في الحريات والديمقراطية وارتفاع نسب التعليم والوعي، إلا أن الحق يقضي بالاعتراف بأن القانون لا يخلو من إيجابيات ملحوظة، لا سيما في دفع عجلة التنمية المستدامة، وانتقال البلديات ومجالس المحافظات من النطاق الخدماتي الضيق إلى آفاق الشراكة الحقيقية والتنمية المستدامة وإدارة المشاريع الإنتاجية. غير أن هذه المكتسبات التنموية، على أهميتها، لا تلغي حقيقة أن تعديل تلك المواد وتفريغ المجالس من محتواها الانتخابي المباشر يبقى بمثابة مثلب لا يليق بأبناء الشعب الأردني، وتراجعاً صريحاً عن مسار الديمقراطية الحقيقية والانتخابات المباشرة التي هي أساس كل إصلاح حقيقي.