ليست القيادة التربوية مكتبًا واسعًا، ولا منصبًا يُكتب على بابٍ من خشب؛ القيادة، في معناها الأصدق، أن يسمع المسؤول نداء معلم، وأن يرى في خوف طالبة مسؤوليةً لا يجوز تأجيلها.
ولعل هذا بعض ما يجعل تجربة الدكتورة سحر الشخاترة مختلفة؛ قيادة نسائية أردنية لم تفشل يومًا في الاستماع إلى صوت الميدان، ولم تتعامل مع التربية باعتبارها أوراقًا تُنجز، بل باعتبارها بشرًا يحتاجون إلى من يسمعهم ويفهمهم ويقف إلى جانبهم.
أتذكر، في العام الدراسي الماضي، حادثة الحريق التي اندلعت بالقرب من إحدى مدارس اللواء. كان المشهد كفيلًا بأن يضع الخوف في عيون الطالبات، لكن سحر الشخاترة لم تكمل طريقها إلى مكتبها؛ كانت هناك، في المدرسة، بين الطالبات. دخلت الغرف الصفية واحدةً تلو الأخرى، وسألت الطالبات بطمأنينة الأم: كيف أنتِ؟ هل أنتِ خائفة؟ نحن هنا من أجلكِ.
لم تكن تلك الجمل بروتوكولًا، ولا مشهدًا عابرًا أمام الكاميرات. شرحت للطالبات أن الحريق اندلع في مصنع قريب، وأن رجال الدفاع المدني موجودون، وأنهن سيغادرن المدرسة إلى بيوتهن وهنّ بأمان.
هنا، تحديدًا، تتضح قيمة القيادة.
فالقائد الحقيقي لا ينتظر أن يصل الخوف إلى مكتبه؛ بل يذهب إليه حيث يكون الناس.
وفي مكتبها، يستقبلها الجميع بابتسامة وأذن صاغية. تستمع أكثر مما تتحدث، وتقرأ ما بين السطور بذكاء تربوي لافت. لا تطلق حكمًا في قضية قبل أن تجمع معلوماتها كاملة، ولا تستعجل القرار قبل أن ترى الصورة من جميع جوانبها. وهذه، في الإدارة التربوية، ليست تفاصيل صغيرة؛ إنها أخلاق المسؤولية.
ولذلك حين جاء تعيين الدكتورة سحر الشخاترة أمينًا عامًا لوزارة التربية والتعليم للشؤون الإدارية، بعد إعادة هيكلة الوزارة، لم أشعر أن الأمر يتعلق بمنصب جديد بقدر ما شعرت أن خبرة ميدانية تعرف معنى المدرسة والمعلم والطالب قد وجدت طريقها إلى موقع أكثر اتساعًا في الدولة.
وما أكتبه هنا ليس مجاملة، ولا سطرًا من باب المجاملات التي تكثر عند انتقال الأشخاص إلى المناصب؛ إنما هي مواقف جمعتني بها، ومواقف يعرفها كثير من الزملاء ممن عملوا معها أو طرقوا بابها، حتى صار اسمها، حين نلتقي، يأخذ سطرًا من أحاديثنا.
وهنيئًا لكِ المنصب، وهنيئًا للمنصب بامرأة تعرف أن الإدارة ليست سلطة على الناس، بل مسؤولية من أجلهم.
الدكتورة سحر الشخاترة،
أنتِ معلمة وقائدة لا تُنسى، وحضورك في التربية ليس عنوانًا وظيفيًا عابرًا؛ بل أثرٌ تركته امرأة أردنية آمنت أن أجمل ما في المنصب أن يبقى الإنسان إنسانًا.
في وزارة التربية والتعليم، حيث تتقاطع المدرسة مع الوطن، والمعلم مع بناء المستقبل، نحتاج إلى قيادة تعرف الميدان، وتسمع نبضه، وتفهم أن وراء كل كتاب رسمي قصة إنسان، ووراء كل قرار طالبًا ومعلمًا ومدرسة.
أمين عام وزارة التربية والتعليم للشؤون الإدارية د. سحر الشخاترة؛ لكِ بصمة أردنية واضحة وثابتة، ولكِ منا كل المحبة والاحترام، وكل الأمنيات بأن يكون القادم امتدادًا لذلك الأثر الذي عرفناه فيكِ.
فبعض الناس يتولون المناصب، وبعضهم يمنحون المناصب شيئًا من سيرتهم.
وأنتِ، سحر، من أولئك الذين نرجو أن يظل للمنصب بهم أثر.