في الوقت الذي تتسابق فيه المحافظات على تطوير منشآتها الرياضية وتوفير بيئة حقيقية لاكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، تقف محافظة كاملة أمام سؤال مشروع لا يحتاج إلى كثير من التفسير: كيف لمحافظة تضم ما يقارب 12 نادياً رياضياً، وتشارك أنديتها في مسابقات وبطولات الاتحاد الأردني لكرة القدم، أن تبقى بلا ملعب كرة قدم مؤهل لاستضافة مبارياتها الرسمية؟ هذا السؤال لم يعد ترفاً إعلامياً، ولا مطلباً لنادٍ بعينه، بل أصبح قضية رياضية وتنموية وشبابية تستحق أن تكون على طاولة أصحاب القرار، فالملعب الموجود في المحافظة، والذي كان يفترض أن يكون بيتاً للرياضة والشباب، أصبح اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل شاملة تعيده إلى الحياة وتجعله قادراً على استقبال المباريات والفعاليات الرياضية وفق المتطلبات والمعايير المعتمدة، وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لا يتم التعامل مع هذا الملعب باعتباره مشروعاً وطنياً لخدمة الشباب بدلاً من بقائه في دائرة الانتظار؟
إن غياب ملعب مؤهل في المحافظة يجعل الأندية أول من يدفع الثمن، فتنقل اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية وتكاليف السفر وإرهاق الفرق وحرمان الجماهير من متابعة أنديتها على أرضها كلها أعباء إضافية تتحملها أندية تعاني أصلاً من محدودية الموارد، والأمر لا يتوقف عند الأندية، فهناك لاعبون صغار يقفون اليوم على بداية الطريق ويحلمون بأن يصبحوا نجوماً في كرة القدم الأردنية، لكن صناعة الموهبة تحتاج إلى أكثر من الموهبة نفسها، تحتاج إلى منشأة ومدرب ودعم وبيئة رياضية حقيقية، فكيف نطلب من لاعب أن يحلم بالاحتراف بينما لا نوفر له الملعب الذي يتدرب ويلعب عليه؟
إن اختزال القضية في أرضية ملعب أو مدرجات أو إنارة هو اختزال غير منصف لحجم المشكلة، فالملعب ليس حجارة ومدرجات فقط، وإنما هو مؤسسة رياضية واجتماعية متكاملة، وهو المكان الذي يلتقي فيه الشباب وتُكتشف فيه المواهب وتُبنى فيه الشخصية الرياضية وتتحول فيه طاقات الشباب من الفراغ إلى الإنجاز، كما أنه واجهة للمحافظة عندما تستضيف مباراة رسمية فتأتي الجماهير والفرق والضيوف وتتحرك عجلة اقتصادية مرتبطة بالنقل والمطاعم والخدمات وغيرها، ولذلك فإن إعادة تأهيل الملعب ليست إنفاقاً على الرياضة فقط، بل هي استثمار في الشباب والمجتمع والاقتصاد المحلي.
ومن هنا فإن الرسالة اليوم واضحة إلى وزارة الشباب وإلى الاتحاد الأردني لكرة القدم وإلى مجلس المحافظة والجهات المعنية كافة، وهي ضرورة فتح ملف الملعب بصورة عاجلة، وإجراء كشف فني شامل، وتحديد احتياجات إعادة التأهيل، وإعداد دراسة فنية ومالية واضحة، والتنسيق مع الاتحاد الأردني لكرة القدم لضمان تنفيذ الأعمال وفق المتطلبات اللازمة لاستضافة المباريات الرسمية، ثم وضع خطة تنفيذية وجدول زمني واضح حتى لا تبقى القضية مجرد مخاطبات وكتب واجتماعات، فالمطلوب ليس وعوداً جديدة وإنما عمل حقيقي على الأرض.
إن إعادة تأهيل هذا الملعب يمكن أن تكون نموذجاً للشراكة بين وزارة الشباب والاتحاد الأردني لكرة القدم ومجلس المحافظة والبلديات ومؤسسات القطاع الخاص والجهات الداعمة للرياضة، فالمشاريع الكبرى لا تبدأ دائماً بموازنات ضخمة، وإنما تبدأ بقرار صادق وإرادة جادة وشراكة مسؤولة، ومن هنا فإن المطلوب توحيد الجهود وإعداد تصور متكامل لمراحل التأهيل والبحث عن مصادر التمويل ومتابعة التنفيذ حتى يصبح المشروع واقعاً يراه أبناء المحافظة بأعينهم.
هذه ليست معركة مع أحد وليست اتهاماً لجهة بعينها، وإنما هي مناشدة مسؤولة ومطلب مشروع من أبناء المحافظة لكل صاحب قرار وقادر على المساهمة، فشبابنا لا يطلبون المستحيل، وإنما يطلبون مكاناً يمارسون فيه الرياضة، وأندية تستطيع أن تستضيف مبارياتها، وجماهير تستطيع أن تشجع فرقها على أرضها، ومحافظة تستحق منشأة رياضية تليق بها وتواكب حجم طموحات شبابها.
لقد حان الوقت لأن يغادر ملف الملعب دائرة الانتظار، وأن يتحول من حديث متكرر إلى مشروع واضح المعالم، يبدأ بقرار وينتهي بإنجاز، فالمحافظة التي تضم ما يقارب 12 نادياً رياضياً ومئات اللاعبين وآلاف الجماهير لا يجوز أن تبقى بلا ملعب مؤهل، ولا يجوز أن تستمر أنديتها في تحمل أعباء التنقل خارج المحافظة من أجل إقامة مباريات يمكن أن تقام على أرضها لو تمت إعادة تأهيل الملعب.
نريد أن نسمع صافرة الحكم من جديد على أرض الملعب، وأن تمتلئ المدرجات بالجماهير، وأن ترفع الأندية راياتها في مباريات رسمية تقام داخل المحافظة، ونريد أن يتحول الملعب من شاهد على التهالك إلى عنوان للإنجاز، ومن منشأة مهجورة تحتاج إلى الإنقاذ إلى صرح رياضي يحتضن المواهب ويخدم الأندية ويمنح الشباب مساحة حقيقية للحلم والطموح.
إنها رسالة إلى أصحاب القرار: أعيدوا تأهيل الملعب، وأنصفوا أندية المحافظة، وافتحوا أبواب الأمل أمام شبابها، فربما يكون بين هؤلاء الشباب لاعب يحمل قميص المنتخب الوطني يوماً ما، وكل ما يحتاجه اليوم هو فرصة وملعب يؤمن بحلمه قبل أن يؤمن العالم بموهبته.
12 نادياً تستحق ملعباً، ومئات اللاعبين يستحقون فرصة، وآلاف الجماهير تستحق أن تشجع فرقها على أرضها، ومحافظة كاملة تستحق منشأة رياضية تليق بها. آن الأوان للقرار، وآن الأوان للعمل، وآن الأوان أن تعود كرة القدم إلى ملعب المحافظة.