في البتراء، حيث تقف الحضارة شامخة منذ آلاف السنين، يعيش اليوم مجتمعٌ يواجه تحديات متزايدة، وفي مقدمتها التحديات الاقتصادية والسياحية التي انعكست بصورة مباشرة على أبناء المنطقة، وخصوصًا فئة الشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من الطاقات القادرة على صناعة التغيير.
البتراء ليست مجرد موقع أثري عالمي، وليست صورة جميلة يتناقلها الزوار ووسائل الإعلام، بل هي مجتمع حيّ، فيه شباب لديهم أحلام وطموحات وقدرات، ويحتاجون إلى من يؤمن بهم ويمنحهم المساحة والفرصة ليكونوا جزءًا من الحل.
وفي ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع السياحي، لم يعد كافيًا أن نتحدث عن أهمية البتراء سياحيًا، بل أصبح من الضروري أن نتحدث عن الإنسان الذي يعيش في البتراء، وعن الشاب الذي ينتظر فرصة عمل، وعن صاحب المبادرة الذي يبحث عن الدعم، وعن الشابة التي تمتلك فكرة ومشروعًا لكنها تفتقد الإمكانات، وعن المتطوع الذي يقدم وقته وجهده لخدمة مجتمعه دون انتظار مقابل.
إن دعم القطاع الشبابي في البتراء يجب أن يكون أولوية حقيقية، وليس مجرد شعارات أو فعاليات مؤقتة. نحن بحاجة إلى برامج مستدامة لتمكين الشباب، وتوفير فرص التدريب والتشغيل، ودعم المشاريع الريادية والمبادرات المجتمعية، وتعزيز مشاركة الشباب في صناعة القرار، والاستماع إلى أصواتهم عند وضع الخطط المتعلقة بمستقبل المنطقة.
الشباب في البتراء لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون فرصة عادلة.
فرصة ليعملوا، فرصة ليبدعوا، فرصة ليطلقوا مشاريعهم، وفرصة ليكونوا شركاء حقيقيين في التنمية.
ولعل التجارب التي شهدتها البتراء خلال السنوات الماضية أثبتت أن شبابها قادرون على المبادرة والعمل والعطاء. فقد رأينا فرقًا تطوعية تنظم الحملات المجتمعية، وشبابًا يشاركون في الفعاليات السياحية والوطنية، ومبادرات تهتم بالبيئة والطفولة وذوي الإعاقة وخدمة المجتمع.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم: هل نقدم للشباب الدعم الذي يتناسب مع حجم ما يقدمونه؟
إن المرحلة الحالية تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجهات السياحية والمؤسسات المجتمعية والشباب أنفسهم. شراكة تقوم على الثقة والعمل المشترك، وتنتقل من فكرة "تنظيم النشاط” إلى فكرة "صناعة الأثر”.
كما أن علينا أن نعيد النظر في مفهوم الاستثمار في البتراء. فالاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في الحجر والمكان، وإنما في الإنسان أيضًا. والاستثمار في شباب البتراء يعني بناء جيل قادر على حماية إرث مدينته، وتطوير اقتصادها، والترويج لها، وابتكار حلول جديدة تتناسب مع التحديات التي تواجهها.
لقد أثبتت الأزمات أن الاعتماد على قطاع واحد يجعل المجتمعات أكثر تأثرًا بالظروف المحيطة، ولذلك نحن بحاجة إلى فتح آفاق جديدة أمام شباب البتراء في مجالات ريادة الأعمال، والعمل الرقمي، والصناعات الإبداعية، والحرف التراثية، والسياحة المستدامة، والتسويق الإلكتروني، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تخلق فرصًا حقيقية ومستدامة.
وأقولها بكل وضوح: شباب البتراء ليسوا عبئًا على التنمية، بل هم أحد أهم مفاتيحها.
ومن موقعي كناشطة اجتماعية، أؤمن بأن صوت الشباب يجب أن يكون حاضرًا في كل طاولة تُناقش مستقبل البتراء، وأن المبادرات الشبابية تستحق الدعم لا المجاملة، وأن العمل التطوعي يستحق التقدير والتطوير، وأن الشاب الذي يحمل فكرة لخدمة مجتمعه يجب أن يجد أمامه مؤسسة تؤمن بفكرته وتساعده على تحويلها إلى واقع.
البتراء اليوم بحاجة إلى مشروع شبابي متكامل، يجمع بين التمكين الاقتصادي والتدريب والتطوع والابتكار والمشاركة المجتمعية، ويمنح الشباب دورًا حقيقيًا في صناعة مستقبل منطقتهم.
فالبتراء التي استطاعت أن تصمد أمام آلاف السنين من التحديات، قادرة على تجاوز تحديات اليوم أيضًا، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بتكاتف الجميع، وبإيمان حقيقي بأن الإنسان هو أساس التنمية.
رسالتي اليوم ليست شكوى، وإنما دعوة للعمل.
دعوة لكل مؤسسة وكل مسؤول وكل مستثمر وكل جهة معنية بأن تنظر إلى شباب البتراء باعتبارهم شركاء لا متلقين، وقوة لا عبئًا، ومستقبلًا لا رقمًا في الإحصاءات.
فإذا أردنا أن نحمي البتراء ونحافظ على مكانتها ونضمن مستقبلها، فعلينا أن نحمي الإنسان فيها أولًا، وأن نمنح شبابها الثقة والفرصة والمساحة.
البتراء تستحق أن يبقى اسمها حاضرًا في العالم، وشبابها يستحقون أن يكونوا جزءًا من هذا الحضور.