حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
عبيدات يكتب .. الدكتور محمد صايل عبيدات.. مسيرة وطن
تُختصر في رجل
نيروز – خاص – محمد محسن عبيدات
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبمشاعر يملؤها الحزن والأسى،
ودّعت الأسرة التربوية الأردنية، ولواء بني كنانة، ومحافظة إربد، والأردن عامة، واحداً
من أبرز رجالات التربية والتعليم والإدارة والعمل الاجتماعي، عطوفة الدكتور محمد صايل
محسن عبيدات، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجاز والخدمة
الوطنية الصادقة، تاركاً وراءه إرثاً تربوياً وإنسانياً سيبقى شاهداً على مسيرة استثنائية
امتدت لعقود طويلة.
لقد كان الفقيد الراحل نموذجاً فريداً للقائد التربوي الحكيم،
ورمزاً من رموز الإخلاص والوفاء للوطن، ورجلاً حمل رسالة العلم والتربية بكل أمانة
ومسؤولية، فأسهم في بناء أجيال متعاقبة من أبناء الأردن الذين نهلوا من علمه وخبرته
وحكمته.
ولد الدكتور محمد صايل محسن عبيدات في بلدة حرثا عام
1943، ونشأ في بيئة أصيلة غرست فيه قيم العلم والعمل والانتماء. تلقى تعليمه الأساسي
في بلدته، ثم واصل دراسته الثانوية في مدرسة إربد الثانوية، لينال شهادة الثانوية العامة
عام 1960، قبل أن يشد الرحال إلى الجمهورية العربية السورية للدراسة في كلية الآداب
بجامعة دمشق، حيث حصل عام 1964 على درجة البكالوريوس في التاريخ.
ومنذ بداية حياته العملية، أدرك أن التعليم رسالة سامية قبل
أن يكون وظيفة، فالتحق بوزارة التربية والتعليم معلماً لمبحث التاريخ عام 1964، وبدأ
رحلة مهنية طويلة اتسمت بالتميز والجدية والانضباط. ولم يكتفِ بما حققه من تأهيل علمي،
بل واصل مسيرته الأكاديمية، فالتحق بمعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة، ونال
الدبلوم العالي في الدراسات التاريخية، ثم حصل على الدبلوم في التربية، ودرجة الماجستير
في الإدارة التربوية من الجامعة الأردنية.
وفي إطار سعيه الدائم للتميز والتطوير، التحق بجامعة بخارست
في رومانيا، حيث نال درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث عام 1983، ليعود إلى وطنه مسلحاً
بالعلم والخبرة والرؤية، ويواصل مسيرة العطاء في مواقع قيادية متعددة.
شغل الراحل العديد من المناصب التربوية والإدارية الرفيعة،
فعمل مشرفاً تربوياً وعضواً في لجان المناهج، ثم مستشاراً ثقافياً في السفارة الأردنية
في رومانيا، وبعد عودته تقلد مناصب مهمة شملت مساعد مدير كليات المجتمع الأردنية، ومدير
شؤون الطلبة في جامعة اليرموك، ومدير شؤون الطلبة والنشاطات الطلابية في وزارة التربية
والتعليم، ومدير التعليم الثانوي والإلزامي، ثم مدير عام الامتحانات والتقويم التربوي،
قبل أن يتوج مسيرته بمنصب أمين عام مساعد لشؤون التعليم في وزارة التربية والتعليم.
وقد ترك بصمات واضحة في تطوير العملية التعليمية الأردنية،
وأسهم في إعداد المناهج والكتب المدرسية، وشارك في صياغة العديد من السياسات والبرامج
التربوية التي كان لها أثر كبير في الارتقاء بمستوى التعليم في المملكة. كما عرف عنه
امتلاكه رؤية استراتيجية ثاقبة وقدرة استثنائية على التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار،
الأمر الذي جعله محل ثقة واحترام زملائه ومرؤوسيه على حد سواء.
ولم يكن الدكتور محمد عبيدات إدارياً ناجحاً فحسب، بل كان
مربياً حقيقياً يؤمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان. فقد تميز بعدالته وإنصافه،
وتشجيعه المستمر للإبداع والابتكار، وحرصه على تطوير الكفاءات التربوية، إضافة إلى
قدرته الفائقة على التحفيز والتوجيه وصناعة القيادات.
أما على الصعيد الإنساني والاجتماعي، فقد كان الراحل مدرسة
في الأخلاق والقيم النبيلة. عرفه الناس بشوش الوجه، طيب القلب، صادق الكلمة، شفافاً
في تعامله، مخلصاً في عمله، قريباً من الناس، مفتوح الأبواب للجميع دون تمييز. وكان
مثالاً للرجل الحكيم الذي يلجأ إليه الناس في إصلاح ذات البين، وحل الخلافات، والمشاركة
في الجاهات والمناسبات الاجتماعية والوطنية والدينية.
لقد كان من الشخصيات الاجتماعية البارزة في لواء بني كنانة،
وساهم في دعم العديد من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الثقافية والرياضية، وكان حاضراً
في كل ما من شأنه خدمة المجتمع والنهوض بأبنائه. ولم يتردد يوماً في تقديم المساعدة
لكل من قصده، فكان سنداً للمحتاج، وناصحاً للمستشير، وعوناً لأبناء منطقته، حتى غدا
محبوباً من الجميع، يحظى باحترام وتقدير كل من عرفه أو تعامل معه.
امتلك الراحل شخصية قيادية فذة جمعت بين الحزم والرحمة، وبين
الحكمة والتواضع، وبين القوة في اتخاذ القرار والإنسانية في التعامل مع الآخرين. وكان
شديد الاعتزاز بقيمه العربية والإسلامية الأصيلة، متمسكاً بالعادات والتقاليد النبيلة،
مؤمناً بأن الأخلاق هي أساس النجاح الحقيقي للإنسان.
وعلى امتداد مسيرته، شارك في تدريس العديد من المساقات الجامعية،
وأسهم في تدريب وتأهيل الكوادر التربوية والإدارية، وكتب عشرات المقالات والدراسات
التربوية، وشارك في الندوات والمؤتمرات والبرامج الإعلامية، ليبقى اسمه مرتبطاً بالعلم
والمعرفة والتطوير والإصلاح التربوي.
برحيل الدكتور محمد صايل محسن عبيدات، يخسر الوطن قامة تربوية
كبيرة، ورجلاً من رجالات الدولة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الأردن وأبنائه بإخلاص
وتفانٍ. لكن العظماء لا يرحلون حقاً، فهم يبقون بما تركوه من أثر طيب وسيرة عطرة وإنجازات
راسخة في ذاكرة الوطن والناس.
رحم الله الدكتور محمد صايل محسن عبيدات رحمة واسعة، وأسكنه
فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته وطلابه ومجتمعه خير الجزاء. وسيظل اسمه حاضراً في
وجدان كل من عرفه، وستبقى سيرته المضيئة نموذجاً يحتذى في العطاء والإخلاص والوفاء.
سلامٌ على روحك الطاهرة أيها المربي الكبير، وسلامٌ على سنوات
عمرك التي قضيتها في خدمة العلم والإنسان والوطن، وسلامٌ على إرثك الذي سيبقى نبراساً
للأجيال القادمة. إنا لله وإنا إليه راجعون.