حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
ماجدة داغر لـ«نيروز الإخبارية» بعد أمسيتها
في بيت عرار: في حضرة عرار شعرت أن القصيدة تستعيد ذاكرتها.. وإربد منحتني دفء اللقاء
حوار: الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات
– وكالة نيروز الإخبارية
بعد أمسية شعرية مميزة احتضنها بيت شاعر الأردن
مصطفى وهبي التل «عرار» في مدينة إربد، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمهرجان جرش للثقافة
والفنون 2026، التقت «نيروز الإخبارية» الشاعرة والكاتبة والباحثة والإعلامية اللبنانية
ماجدة داغر، في حوار استعاد أجواء الأمسية، وتوقف عند دلالات الوقوف في بيت عرار، كما
تناول تجربتها الشعرية ومسيرتها الثقافية والإعلامية، وكتبها وإصداراتها، والقراءات
النقدية التي تناولت تجربتها، وحضور قصائدها في لغات وثقافات متعددة.
وتأتي مشاركة داغر في أمسية بيت عرار ضمن
سلسلة الأمسيات الشعرية التي أقيمت في عدد من المحافظات الأردنية خلال الدورة الأربعين
لمهرجان جرش، بمشاركة شعراء أردنيين وعرب.
نيروز الإخبارية: بعد انتهاء الأمسية الشعرية
في بيت عرار، كيف تصفين هذا اللقاء؟
ماجدة داغر: كانت أمسية جميلة ومميزة بكل معنى الكلمة، وأشعر بسعادة كبيرة لأنني التقيت جمهورًا أردنيًا محبًا للشعر، ووجدت في الحضور تفاعلًا صادقًا مع القصيدة.
الأمسية لم تكن بالنسبة لي مجرد مشاركة شعرية،
بل كانت لقاءً إنسانيًا وثقافيًا أعتز به، خصوصًا أنني كنت بين شعراء أردنيين، وفي
مدينة إربد، وفي مكان يحمل رمزية استثنائية في تاريخ الشعر الأردني والعربي.
نيروز الإخبارية: ماذا يعني لك أن تكون أمسيتك
في بيت شاعر الأردن «عرار»؟
ماجدة داغر: الوقوف في بيت عرار له معنى خاص جدًا بالنسبة لي. هناك أماكن لا تكون مجرد جدران، بل تحمل ذاكرة أصحابها وأصواتهم وأحلامهم.
عرار شاعر كبير ترك أثرًا واضحًا في الشعر الأردني والعربي، ولذلك فإن قراءة الشعر في بيته تجعل الشاعر يشعر بأنه يقف أمام تاريخ أدبي حي.
شعرت أنني لا أقرأ قصيدتي في مكان عادي، بل
في فضاء له ذاكرة شعرية عميقة. وكان جميلًا أن تلتقي قصيدة لبنانية في بيت شاعر أردني،
وكأن الشعر يثبت من جديد أنه قادر على جمع الناس والثقافات وتجاوز الحدود.
نيروز الإخبارية: كيف وجدتِ جمهور إربد؟
ماجدة داغر: وجدت جمهورًا محبًا للشعر، ومتذوقًا، وقريبًا من القصيدة. وهذا أمر يسعد الشاعر كثيرًا، لأن أجمل ما يمكن أن يحدث للنص هو أن يجد من يصغي إليه بقلبه.
إربد مدينة لها حضور ثقافي وأدبي مهم، واللقاء
فيها كان دافئًا وقريبًا من القلب. وأشكر كل من حضر وشارك وأسهم في إنجاح هذه الأمسية.
نيروز الإخبارية: ماذا تمثل لك المشاركة في
مهرجان جرش للثقافة والفنون 2026؟
ماجدة داغر: مهرجان جرش من المهرجانات العربية المهمة التي استطاعت أن تحافظ على حضورها الثقافي والفني، وأن تجعل من الأردن مساحة يلتقي فيها المبدعون من مختلف البلدان.
وسعادتي بالمشاركة لا تأتي من كونها مشاركة
في مهرجان كبير فحسب، بل من كونها فرصة للقاء الجمهور الأردني، والالتقاء بشعراء ومثقفين،
وتجديد الصلة بهذا البلد الذي أحمل له محبة خاصة.
نيروز الإخبارية: شاركتِ سابقًا في مهرجان
جرش، كيف تنظرين إلى عودتك اليوم إلى الأردن؟
ماجدة داغر: الأردن بالنسبة لي ليس محطة عابرة، بل بلد قريب من القلب، وجرش مهرجان له ذاكرة خاصة في تجربتي.
كل عودة إلى الأردن تحمل معها إحساسًا جديدًا،
وهذه المرة كان للقاء إربد وبيت عرار خصوصية مختلفة. أشعر أنني عدت إلى مكان أعرفه
وأحبه، ولكنني اكتشفت فيه مساحة جديدة من الجمال.
نيروز الإخبارية: أنتِ شاعرة وكاتبة وباحثة
وإعلامية، أي هذه المساحات أقرب إلى روح ماجدة داغر؟
ماجدة داغر: الشعر هو الأقرب إلى روحي، لأنه المساحة التي أكون فيها أكثر حرية وصدقًا مع ذاتي، لكنني لا أستطيع أن أفصل الشعر عن بقية تجربتي.
الإعلام علّمني الإصغاء إلى الناس والواقع،
والبحث علّمني التعمق في الأسئلة، والكتابة الفكرية جعلتني أكثر قدرة على قراءة التحولات
من حولي.
أرى أن هذه المسارات جميعها تصب في نهر واحد،
هو نهر الكلمة والمعرفة والإنسان.
نيروز الإخبارية: أصدرتِ عددًا من الكتب في
الشعر والبحث والفكر، كيف تنظرين إلى تجربتك الكتابية؟
ماجدة داغر: أحاول في كل كتاب أن أضيف شيئًا جديدًا إلى تجربتي، وأن أترك مساحة مختلفة للقارئ.
من كتبي «قصور ومتاحف من لبنان»، وهو عمل
اهتم بتوثيق معالم عمرانية وتراثية وسياحية وتاريخية من لبنان، إلى جانب كتبي الشعرية،
ومنها «آية الحواس»، و**«جوازًا تقديره هو»، و«ملتئمًا بالماء كغريق الطوفان»، و«الناجيات
من جمع التكسير»**، إضافة إلى كتاب «وجهة أخرى للزمن» الذي يضم مجموعة من الأبحاث والمقالات
الفكرية والأدبية والإعلامية والنقدية.
أما مشروع «بيت الذاكرة» فهو قريب جدًا مني،
لأنه يقوم على فكرة حفظ الذاكرة الثقافية من خلال الحوار مع الشخصيات التي صنعت أثرًا
في المشهد العربي.
نيروز الإخبارية: «الناجيات من جمع التكسير»
عنوان لافت، ماذا تقولين عنه؟
ماجدة داغر: هو عنوان يحمل الكثير من الدلالات، والكتاب بالنسبة لي تجربة شعرية لها خصوصيتها.
الشعر بالنسبة لي محاولة لاستعادة الإنسان
من حالات التصدع والانكسار، ومحاولة للبحث عن معنى جديد للحياة وسط التحولات الصعبة.
وأعتقد أن القصيدة تستطيع أن تمنح الإنسان
مساحة للتأمل، وربما تمنحه شيئًا من القوة لمواجهة ما يحيط به.
نيروز الإخبارية: صدرت عن تجربتك دراسات نقدية
وأكاديمية في المغرب والجزائر والسودان، كيف تنظرين إلى هذا الاهتمام النقدي؟
وقد سعدت بصدور أعمال نقدية تناولت تجربتي
الشعرية، من بينها كتاب «فتنة الخطاب الشعري اللبناني المعاصر عند ماجدة داغر – مرايا
نقدية»، إلى جانب دراسات أخرى تناولت الجوانب الجمالية والرمزية في شعري.
بالنسبة لي، القراءة النقدية ليست حكمًا على
النص، بل هي قراءة أخرى له، وقد تمنح الشاعر فرصة لاكتشاف جوانب ربما لم ينتبه إليها
أثناء الكتابة.
نيروز الإخبارية: تُرجمت قصائدك إلى أكثر
من اثنتي عشرة لغة، ماذا يعني لك هذا الانتشار؟
ماجدة داغر: الترجمة تجعل القصيدة تسافر، وهذا أجمل ما يمكن أن يحدث للنص.
عندما تُترجم قصيدة إلى لغة أخرى، فهي تعبر
إلى ثقافة جديدة، وتلتقي قارئًا ربما لا يعرف اللغة العربية، لكنه يستطيع أن يتفاعل
مع المشاعر الإنسانية التي تحملها القصيدة.
وأنا أؤمن أن الشعر في جوهره لغة إنسانية،
وأن المشاعر الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى لغة واحدة.
نيروز الإخبارية: كيف أثرت تجربتك الإعلامية
الطويلة في كتابتك؟
ماجدة داغر: الإعلام جعلني أكثر التصاقًا بالواقع وأكثر انتباهًا إلى التفاصيل.
عملت في الصحافة المكتوبة، وقدمت برامج في
التلفزيون والإذاعة، وخضت تجربة الإعلام الرقمي، كما عملت في الإدارة الإعلامية والعلاقات
العامة والثقافية.
كل هذه التجارب جعلتني أرى العالم من زوايا
متعددة، وأعتقد أن الكاتب لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن الواقع، حتى عندما يكتب نصًا
شديد الخصوصية.
نيروز الإخبارية: كيف ترين واقع الإعلام الثقافي
في عالمنا العربي؟
ماجدة داغر: الإعلام الثقافي يحتاج إلى مساحة أكبر، لأن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء من بناء الوعي.
نيروز الإخبارية: شاركتِ في مهرجانات وملتقيات
عربية ودولية كثيرة، ماذا تعلمتِ من هذه الرحلة؟
ماجدة داغر: تعلمت أن الثقافة تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه أحيانًا السياسة.
عندما يجتمع الشعراء والمثقفون من بلدان مختلفة،
فإنهم يكتشفون أن بينهم الكثير من المشتركات الإنسانية، وأن الاختلاف يمكن أن يكون
مصدرًا للجمال لا سببًا للصراع.
المهرجانات بالنسبة لي ليست منصات للقراءة
فقط، بل هي فرص للقاء والتعرف والحوار.
نيروز الإخبارية: حصلتِ على العديد من الجوائز
والتكريمات، ماذا تعني لك؟
ماجدة داغر: أعتز بكل تكريم حصلت عليه، وأشكر كل جهة رأت في تجربتي ما يستحق التقدير.
لكنني أعتقد أن التكريم الحقيقي للمبدع هو
أن يظل نصه حيًا في ذاكرة الناس، وأن يجد قارئًا يعود إليه بعد سنوات.
الجوائز جميلة، لكنها ليست غاية. الغاية هي
أن نترك أثرًا حقيقيًا.
نيروز الإخبارية: أنتِ اليوم سفيرة لقمة البوسفور
لدى الجمهورية اللبنانية، كيف تنظرين إلى هذا الدور؟
ماجدة داغر: أعتز بهذه المسؤولية، وأراها فرصة للتواصل بين الثقافات، وللتعريف بلبنان وبطاقاته ومبدعيه.
أنا أؤمن بأن الثقافة والإعلام يمكن أن يكونا
جزءًا من الدبلوماسية الناعمة، وأن المبدع يستطيع أن يمثل بلده من خلال حضوره وفكره
وإبداعه.
نيروز الإخبارية: ما المشاريع التي تعملين
عليها في المرحلة المقبلة؟
ماجدة داغر: لدي مشاريع شعرية وكتابية أعمل عليها، كما أواصل العمل على مشروع «بيت الذاكرة»، وأطمح إلى الاستمرار في الكتابة والإعلام الثقافي.
أهم ما أتمناه هو أن أظل قادرة على تقديم
نص صادق، وأن أواصل الحوار مع القراء والمثقفين، وأن يكون لكل مرحلة من حياتي ما يضيف
إلى تجربتي ولا يكررها.
نيروز الإخبارية: بعد هذه الأمسية الجميلة،
ماذا تقولين لجمهور إربد وللأردنيين؟
ماجدة داغر: أقول لهم شكرًا من القلب.
شكرًا لكل من حضر، ولكل من استمع إلى القصيدة،
ولكل من جعل هذه الأمسية ممكنة وجميلة.
سأحمل معي من إربد وبيت عرار ذكرى جميلة،
وسأظل أؤمن أن أجمل ما يجمعنا هو الكلمة الصادقة.
وأقول لجمهور الأردن: أنتم أهل محبة وكرم،
والشاعر حين يأتي إلى الأردن يشعر أنه بين أهله. أتمنى أن تتجدد اللقاءات دائمًا، وأن
تبقى بيوت الشعر مفتوحة للقصيدة وللإنسان.
وفي ختام الحوار، تبقى أمسية ماجدة داغر في
بيت عرار واحدة من تلك اللحظات التي لا تنتهي بانتهاء التصفيق، لأن بعض الأمسيات تترك
في الذاكرة أثرًا يشبه القصيدة؛ تبدأ من مكان، لكنها تواصل سفرها في القلب. وفي بيت
شاعر الأردن عرار، التقت قصيدة لبنانية بذاكرة شعرية أردنية، فكان اللقاء صورة جميلة
من صور الحضور العربي المشترك، الذي يثبت أن الشعر لا يعرف الحدود، وأن الثقافة تظل
الجسر الأجمل بين الشعوب.