في سجل المجد الأردني رجال لا تغيب أسماؤهم، وفي ذاكرة الوطن أبطال لم يحملوا الأوسمة بحثاً عن الشهرة، بل استحقوها بدمائهم وتضحياتهم. ومن أولئك الرجال الرقيب الشهيد سند ناصر سليمان أخو صحينة الهقيش، ابن قبيلة بني صخر، ومن أبناء منطقة أم الرصاص، الذي ارتقى شهيداً على ثرى القدس الشريف، تاركاً خلفه سيرة عسكرية ووطنية تليق بالرجال الذين لا تنحني هاماتهم إلا لله.
كان الشهيد سند يحمل الرقم العسكري (5873)، أحد نشامى الكتيبة الثالثة في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ذلك الجيش الذي كتب أبطاله صفحات خالدة في تاريخ الأمة، وجعلوا من القدس عنواناً للتضحية، ومن الدفاع عن فلسطين واجباً لا تراجع عنه. وفي منطقة الشيخ جراح بالقدس، حيث اشتدت المعارك وواجه الجنود الأردنيون نيران المواجهة، كان سند واحداً من أولئك الرجال الذين وقفوا في خندق الشرف، مؤمنين بأن الأوطان والمقدسات تستحق أن تُبذل في سبيلها أغلى التضحيات.
من أم الرصاص، البلدة الأردنية التي تفخر بأبنائها وانتمائهم الوطني والعشائري، انطلق اسم سند ليصبح جزءاً من ذاكرة البطولة الأردنية. لم يكن مجرد رقم في سجل عسكري، ولا اسماً يضاف إلى قائمة الشهداء، بل كان فارساً من فرسان بني صخر، يحمل في اسمه معنى السند، وفي مواقفه شجاعة الرجال، وفي شهادته وساماً لا يصدأ على صدر عشيرته وأهله وأبناء منطقته ووطنه.
وتتناقل الروايات الشعبية عن الشهيد حكاية مؤثرة، مفادها أن جثمانه الطاهر بقي في قبره نحو تسع سنوات، وعند إعادة فتحه وُجد، بحسب الرواية المتداولة، وكأنه لم يمسّه الزمن، وهي حكاية ظلت حاضرة في وجدان من تناقلوها، واستحضروا معها قول الله تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون».
وحتى الشعر الشعبي حفظ حكايته، ورددت الألسن أبياتاً تختصر وجع الفراق وعظمة الشهادة:
سند دفناه يا أبو سعود
جاه المقدر ولا جانا
أخو صحينه عريب الجدود
نال الشهادة وخلانا
إن استذكار سند الهقيش هو استذكار لجيل من أبطال الجيش العربي الذين رووا بدمائهم أرض فلسطين، وأثبتوا أن الأردن لم يكن يوماً بعيداً عن معركة القدس، وأن تضحيات جنوده ستبقى أمانة في أعناق الأجيال.
سلام على روحك يا سند، وسلام على بني صخر، وسلام على أم الرصاص التي تفخر بابنها الشهيد، وسلام على الجيش العربي الذي أنجب الأبطال. ستبقى شهيداً في سجل الخالدين، وستبقى القدس شاهدة على أن للأردن رجالاً كتبوا مواقفهم بالدم، ولم يساوموا يوماً على الكرامة.
رحم الله الشهيد سند الهقيش وجميع شهداء الجيش العربي الأردني، فالأبطال يمضون، لكن أمجادهم لا تموت.