لا تقتصر مكافحة الإرهاب على المؤسسات الأمنية والعسكرية، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من الأسرة، باعتبارها الخلية الأولى والأساس في بناء الإنسان. فالإرهاب ليس وليد اللحظة، وإنما نتيجة تراكمات فكرية ونفسية واجتماعية، قد تنبت في بيئة أسرية مفككة أو مهملة أو متطرفة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحويل الأسرة من مجرد مأوى للأبناء إلى حصن منيع يحميهم من الفكر المتطرف، ويحصّنهم بالقيم والوعي والحوار.
الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن التنشئة والتربية وتوفير الأمان النفسي والعاطفي للأبناء. ولا تكفي التربية والتعليم وحدها، بل تحتاج الأسرة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها في مواجهة الظواهر الخطيرة، ومن أخصها الإرهاب. غير أن هذه المهمة تصطدم في كثير من المجتمعات العربية بظاهرة انعدام الحوار بين الأبناء وآبائهم؛ فحين يغيب النقاش والإنصات، يحضر الصمت ويخيم على جو الأسرة، مما ينعكس سلبًا على أمن الأسرة والمجتمع. وتؤكد المؤشرات المحلية خطورة هذا المسار؛ فقد سُجّلت في الأردن وحدها 58,064 حالة عنف أسري عام 2023، بزيادة بلغت 38% عن العام السابق، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له بنية الأسرة، ويجعل الحديث عن تحصينها أولوية لا ترفًا.
ومن أهم الأسباب التي قد تدفع الأبناء إلى اللجوء إلى الحواضن المتطرفة: التفكك الأسري، وضعف الحوار بين الوالدين، وكثرة الخلافات التي تدفع الأبناء للبحث عن هوية بديلة. ويضاف إلى ذلك الإهمال العاطفي، وشعور الأبناء بالتهميش وعدم الاهتمام، مما يجعلهم فريسة سهلة لجماعات تستغل حاجتهم إلى الانتماء والتقدير. وهنا تكشف الدراسات عن مفارقة مهمة: كثير من الشباب الذين انضموا إلى جماعات متطرفة لم يأتوا من أسر "مفككة" بالمعنى التقليدي، بل من بيوت "منظمة ظاهريًا" لكنها تفتقر إلى الدفء والارتباط العاطفي؛ وقد وصف هؤلاء الجماعة المتطرفة بأنها "العائلة التي لم يمتلكوها قط". كما أن غياب القدوة الحسنة، أو ميل الوالدين إلى العنف اللفظي أو الجسدي، قد يعلّم الأبناء أن العنف وسيلة لحل المشكلات؛ وقد أظهرت دراسة على عينة أردنية قوامها 3,126 فردًا وجود علاقة قوية بين العنف الأسري وكل من التطرف والتعصب، مع ارتفاع مستويات التطرف لدى المراهقين وفي الأسر ذات الحالة الاجتماعية غير المستقرة. أما الفراغ الفكري والديني، وقلة الوعي الديني الصحيح، أو تلقي الدين من مصادر مجهولة، فيفتح الباب أمام تفسيرات متطرفة.
وفي مواجهة ذلك، يقع على الأسرة دور وقائي أساسي يقوم على بناء المناعة الفكرية والنفسية لدى الأبناء. ويتحقق ذلك عبر التربية على القيم الوسطية، وتعليم الأبناء التسامح واحترام الآخر مهما اختلف معه في الدين أو الرأي، ورفض ثقافة الغلو والتشدد، وبيان أن الإسلام دين سلام ورحمة. كما ينبغي تعزيز الانتماء والهوية، وغرس حب الوطن والولاء له، وبناء هوية قوية معتزة بدينها ووطنها، حتى لا ينجذب الأبناء نحو مشاريع تدميرية. وهذه الوقاية ليست ترفًا نظريًا؛ فمراجعة شاملة لـ 23 دراسة شملت نحو 5,000 فرد أشارت إلى أن اختلال أداء الأسرة — كفقدان مقدم الرعاية أو السجن أو تعاطي المخدرات — هو أكثر التجارب السلبية شيوعًا لدى المتطرفين، إذ أبلغ ما يصل إلى 70% من اليمينيين المتطرفين في بعض العينات الأمريكية عن أربع تجارب سلبية أو أكثر في الطفولة، مقابل نحو 30% من عموم السكان.
ولا غنى عن الرقابة الأسرية الواعية، بمعنى متابعة ما يشاهده الأبناء على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، دون تحويل الرقابة إلى تجسس، ومراقبة الأصدقاء لأن للصحبة تأثيرًا كبيرًا في سن المراهقة. ويبقى الحوار المفتوح والاستماع الفعّال ركيزة أساسية، عبر تخصيص وقت يومي للحديث مع الأبناء عن مشاكلهم وأحلامهم، وعدم السخرية من أسئلتهم، خاصة في الأمور الدينية والسياسية، وتقديم إجابات علمية محايدة، وفتح قنوات تواصل لمناقشة قضاياهم وشكوكهم وتصحيح المفاهيم الخاطئة بلطف وعلم. ويضاف إلى ذلك القدوة الحسنة، والتزام الوالدين بالسلوك المعتدل والمتسامح، لأن الأبناء يتأثرون بنمط حياة أسرهم. ويُعزز هذا التوجه ما كشفه استطلاع رأي من أن 82% من المستجيبين شاهدوا أمهات يربّين أبناءهن بطريقة قد تشجع على التطرف، لكن 26% فقط منهن حاولن تقديم النصيحة، وهو ما يكشف فجوة في التدخل الأسري المبكر.
أما إذا ظهرت علامات الخطر، مثل الانسحاب والعزلة، أو التغير المفاجئ في الالتزام، أو كثرة الكراهية للآخرين، أو حب العنف، أو الانبهار بجماعات معينة، فعلى الأسرة أن تتصرف بحكمة. فلا ينبغي اللجوء إلى العنف أو التوبيخ العلني، لأن ذلك قد يزيد الابن تمردًا وتطرفًا. والأفضل هو التواصل بحكمة، ومحاولة فهم مصدر أفكاره دون مواجهة حادة، وطلب المساعدة المتخصصة من مرشد نفسي أو أسري أو برامج إعادة التأهيل الفكري، وقطع الطريق على العزلة عبر إشراك الابن في أنشطة اجتماعية ورياضية ودينية إيجابية. وتزداد أهمية هذه الخطوات إلحاحًا بالنظر إلى أن واحدًا من كل خمسة من المشتبه بهم في الإرهاب في بعض الدول الغربية كان قاصرًا، وأن من هم تحت 18 عامًا شكّلوا 42% من اعتقالات الإرهاب في عام واحد، وهي فئة عمرية تظل الأسرة المسؤول الأول عنها.
ولا تستطيع الأسرة وحدها مواجهة هذه الظاهرة، بل تحتاج إلى التعاون مع المؤسسات الأخرى؛ كالتنسيق مع المدرسة لمتابعة سلوك الأبناء وأصدقائهم، والتواصل مع المسجد لتعريف الأبناء بالأئمة المعتدلين، والإبلاغ المبكر إذا تأكدت الأسرة من انجراف أحد أفرادها نحو التطرف، لأن الإبلاغ قد ينقذه وينقذ الآخرين.
وفي مواجهة بوادر التطرف عند أحد الأبناء، تحتاج الأسرة إلى حكمة وتدرج، لا إلى صدام مباشر أو عقاب قاسٍ. فالهدف هو الاحتواء والتصحيح لا التصعيد. ويبدأ ذلك بالفهم قبل الحكم، ومعرفة ما الذي دفع الابن إلى هذا الاتجاه: هل هو شعور بالظلم، أم فراغ، أم تأثير أصدقاء، أم محتوى على الإنترنت؟ ثم يأتي الحوار الهادئ والمستمر، بطرح الأسئلة بدل الاتهام، وتصحيح المفاهيم بطريقة بسيطة أو بالاستعانة بشخص موثوق، وتعزيز الانتماء الإيجابي عبر الأنشطة المفيدة، والمتابعة دون قمع أو تجسس، واختيار البيئة الصالحة، وطلب المساعدة عند الحاجة. والأهم ألا تتعامل الأسرة مع الابن كعدو، بل كشخص يحتاج دعمًا وتوجيهًا؛ فالقسوة المفرطة قد تدفعه أكثر نحو التطرف، بينما الاحتواء الذكي يزيد فرص عودته إلى الطريق الصحيح.
ختامًا، فإن مكافحة الإرهاب ليست مسؤولية جهة واحدة، بل عملية تكاملية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع والدولة. وتظل الأسرة الركيزة الأولى في بناء وعي الأبناء وتحصينهم فكريًا، من خلال التربية السليمة والحوار وتعزيز قيم الاعتدال والانتماء. فكلما كانت الأسرة أكثر وعيًا وتماسكًا، كانت أقدر على حماية أبنائها من الانزلاق نحو التطرف. والاستثمار الحقيقي في مواجهة الإرهاب يبدأ من داخل البيت، حيث تُبنى العقول وتُصان القيم، وبذلك يتحقق أمن المجتمع واستقراره على المدى البعيد.