يُحكى أنَّ صمويل كولت، حين اخترع المسدّس، قال: «الآن يتساوى الشجاع والجبان!»؛ إذ صار في وسع من لا يملك شجاعة القلب أن يستعير بأس الحديد.
ولقد أوشكنا، بعد ظهور كلود وشات جي بي تي وسائر إخوتها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أن نقول: الآن يتساوى الباحث العارف والدعيّ الجاهل، والكاتب البليغ والعييّ الأغتم؛ فقد أصبح في مقدور المرء أن يستعير لساناً لا يملكه، وأن يستعرض علمًا لم يطلبه، وأن يتزيّا بزيّ الفصاحة وإن لم يألف من العربية إلا قشورها.
غير أنَّ لهذا التنكّر حداً لا يتجاوزه؛ فإنَّ النصوص، مهما حسنت سباكتها، لها سمات يعرفها أهل الصنعة، وتراكيب تكاد تشهد على صانعها، ومذاهب في القول لا تخفى على من خبر البيان وميّز بين أصالة الفكر وحسن الترتيب. فالعارف يقرأ الفكرة قبل عبارتها، ويزن المعنى قبل زخرفه، ويعرف أين ينتهي علم الكاتب ويبدأ عون الآلة. أما من اتخذ الذكاء الاصطناعي سُلَّمًا إلى مقام لم يصعد إليه بعلمه، فقد رفع قامته في أعين الغافلين، ولم يزد في ميزان العارفين إلا انكشافاً.
ولعلّ الطريف في الأمر أن بعضهم إذا استعان بهذه التطبيقات خرج إلينا بعبارات جليلة، ومعانٍ مهيبة، وتراكيب كأنما صيغت في دواوين الحكماء؛ فإذا أمعنت النظر وجدت اللفظ قد طال والمعنى قد قصر، والعبارة قد انتفخت والفكرة لم تسمن. ومن جنس هذا البيان أن يقال لك: إنَّ عمّك ليس مجرد عمّ، وإنما هو أخو أبيك! وإنَّ خالك ليس مجرد خال، وإنما هو أخو أمك! وإنَّ تدبير السياسة ليس مجرد سياسة، وإنما هو سياسة التدبير! وإنَّ الرجل البالغ ليس مجرد رجل بلغ مبلغ الرجال، وإنما هو رجل اكتملت رجولته واشتدّ عوده وظهرت شواربه! وهكذا يُعاد إليك المعلوم في ثوب المجهول، وتُقدَّم البديهة في هيئة اكتشاف، ويُستخرج من الكلام كلامٌ آخر، كأنما غاية الحكمة أن نشرح لك الواضح حتى يلتبس عليك.
وليس عيباً أن يستعين الكاتب بآلة، وإنما العيب أن تستعين الآلة بعقل الكاتب فلا تجده؛ وليس الذكاء في أن تُحسن اختيار الألفاظ التي تقترحها الآلة، وإنما في أن تعرف ما وراء الألفاظ، وأن تملك من العلم ما يمكّنك من محاكمتها، ومن الذوق ما يجعلك تردّ ركيكها، ومن الشخصية الفكرية ما يمنعك أن تكون نسخة من كل نصٍّ تقع عليه يدك.
فالآلة تُحسن أن تصوغ لك جواباً ، لكنها لا تمنحك بالضرورة عقلاً يسأل السؤال الصحيح؛ وتستطيع أن تكسو الجهل ثوب المعرفة، لكنها لا تستطيع أن تجعل صاحبه عارفًا بمجرد ارتدائه.
سَلِّمْ ولا تُعَلِّمْ؛ فإنَّ من لم يتعلّم كيف يفكّر، لن تنفعه آلةٌ تُحسن كيف تتكلّم.