في لحظات الاختبار الصعبة تتجلى معادن الرجال وتكشف الشعوب عن عمق أصالتها ورسوخ قيمها الوطنية، وما يجمع الأردنيين عبر التاريخ لم يكن مجرد جوار جغرافي أو عيش مشترك عابر بل هو شريان دم واحد ومصير مجتمعي متماسك خاض عبر العقود كافة معارك الأمة ودافع عن ثوابتها، وفي هذا السياق يبرز المكون المسيحي الأردني بوصفه جزءا أصيلا ونشطا من نسيج هذا الوطن الغالي وفي قلب محافظة الكرك التي طالما كانت قلعة للصمود والعز والشهامة.
لقد قدم المسيحيون العرب في الأردن وفي سائر أرجاء العالم العربي أنموذجا استثنائيا في الولاء والانتماء، فلم يكونوا يوما على هامش الأحداث بل كانوا دائما في طليعة الصفوف دفاعا عن ثرى الأردن العظيم وعن فلسطين الحبيبة وكافة القضايا العادلة للأمة، وحملوا هموم أمتهم في المحافل الدولية وكانوا خير سفراء ومدافعين عن حقوقها وثقافتها، وساهموا بجد وإخلاص في بناء نهضة الأردن العلمية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، مبرهنين عبر التاريخ على أنهم عرب أقحاح تتدفق في عروقهم النخوة والمواطنة الصادقة.
إن ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية من فوضى واعتداءات آثمة ارتكبتها جماعات ضالة خارجة عن منظومة القيم الإنسانية والعقائدية العميقة، قد طال شررها الأبرياء وأساءت لجوهر الدين الحنيف ولتراثنا العربي الأصيل، وإن أي مساس بأمن أي مواطن أو اعتداء على حرمته وحريته ومعتقده بسبب انتمائه الديني هو عمل مدبر وجريمة منكرة لا تقرها عقيدة ولا يقبل بها شريف أو وطني، إذ إن مبدأ العقاب الجماعي أو تحميل الأبرياء أخطاء غيرهم هو سلوك مرفوض مناف لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية والقانونية.
يبقى الأردن الأشم تحت ظل قيادته الهاشمية الحكيمة سدا منيعا في وجه كل محاولات الفتنة أو شق الصف، وتظل دولة المؤسسات والقانون هي الحامي الأول لجميع أبنائها بالتساوي المطلق دون تمييز أو مفاضلة، وإن المصاب الذي يمس أهلنا وإخوتنا من عشائر المسيحيين في الكرك أو في أي شبر من هذا الوطن هو مصاب يعصر قلوب الأردنيين جميعا دون استثناء، فالدماء واحدة والألم واحد والواجب الوطني يدعو الجميع إلى التكاتف والوقوف صفا واحدا لحماية حياض الوطن وصون وحدته الوطنية التي هي مصدر قوته ورفعة شأنه، ورحم الله الشهداء وشافى الجرحى وحفظ الأردن وشعبه العظيم بحفظه وأمانه.