في ختام مهرجان الأردن السادس لسباقات الهجن والشعر النبطي، الذي احتضنه مضمار الشيخ زايد آل نهيان في قضاء الديسة على مدار ستة أيام، لا نكون أمام نهاية فعالية، بل أمام اكتمال صورة، صورة تثبت أن الأصالة حين تجد من يرعاها تتحول من ذكرى إلى قوة حية.
لقد كان المهرجان طوال أيامه تجسيداً للأصالة العربية في أبهى صورها، فالهجن لم تكن يوماً مجرد رياضة، بل كانت شريكة العربي في صبره وقوته وترحاله، والشعر النبطي لم يكن مجرد كلام موزون، بل كان سجلاً لحياة البادية وقيمها ومفاخرها، وما فعله المهرجان أنه أعاد هذا الربط الأصيل بين الميدان والقصيدة، بين صباح يبدأ بهدير السباقات ومساء يزدهر بأمسيات الشعر، ليذكر الجميع أن تراثنا ليس محفوظاً في المتاحف، بل يجري حياً في مياديننا.
ويأتي هذا كله في ظل اهتمام ورعاية كريمة من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم ، الذي أولى مسابقة الشعر النبطي وبطولة العالم للقدرة عناية خاصة، ليؤكد أن الاستثمار في التراث هو استثمار في الشباب وفي الهوية الوطنية، وأن الحفاظ على الموروث ليس حنيناً للماضي، بل هو بناء للمستقبل بثقة وجذور راسخة، وقد كان لهذا الاهتمام السامي أثره في رفع مستوى المنافسة وتوسيع أفق المشاركة.
ولعل ما ميز ختام هذه الدورة هو ذلك الحضور العربي الواسع الذي حول المهرجان إلى ملتقى عربي بامتياز ، فملاك الهجن وشعراء البادية والضيوف الذين قدموا من مختلف الدول العربيه إلى جانب أشقائهم الأردنيين، جعلوا من المهرجان عرساً عربياً واحداً، تتقارب فيه اللهجات وتتوحد فيه المشاعر حول رمز واحد هو الإبل، ليصبح المهرجان جسراً حقيقياً للتواصل الثقافي العربي.
ووراء هذا المشهد المتكامل يقف جهد منظم وشراكة واعية، فاللجنة الأردنية لرياضة الهجن قامت بدورها الريادي في التأطير الفني ووضع المهرجان على خارطة البطولات الدولية وفق أعلى المعايير ، بينما اضطلعت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بالتنسيق مع الحاكميه الاداريه والشركاء بدورها التنموي والسياحي بكل اقتدار ، فلم تكتف بتنظيم السباقات، بل حولت الحدث إلى تجربة متكاملة من خلال البازار التراثي الذي فتح آفاقاً تسويقية لأبناء المجتمع المحلي، والمتحف التراثي والمعرض العلمي والأمسيات الفنية وتوفير الحافلات المجانية، لتثبت أن التنمية الحقيقية هي التي تشرك المجتمع وتستثمر الموروث.
واليوم، مع إسدال الستار على فعاليات المهرجان، ندرك أن منطقة وادي رم الطبيعيه والديسه لم تعد مجرد مواقع سياحيه، بل تحولت بفضل هذا التكامل إلى محطة إشعاع رياضي وسياحي وثقافي في المنطقة بأسرها، محطة رياضية تستضيف بطولة العالم ، وسياحية تجذب أنظار العالم لصحراء الأردن، وثقافية تعيد الاعتبار للشعر والحرفة والمنتج المحلي، وهو إنجاز يؤكد أن الأردن حين يصون أصالته، فإنه يقدمها للعالم بلغة العصر، واثقاً بجذوره منطلقاً نحو المستقبل.