توضع الدولة الأردنية، بحكم جغرافيتها القاسية، في قلب إعصار لا يهدأ من التحولات الشرق أوسطية المتسارعة. لم تكن هذه الرقعة من الأرض يوماً مساحة هادئة أو مريحة، بل ظلت عبر عقود ساحة اختبار قاسية لقياس مدى قدرة الدول على الصمود أمام أزمات تقتلع الكيانات العريقة. وسط هذه المعادلة المعقدة، لم ينكفئ الأردن على نفسه لحماية حدوده فحسب، بل اشتبك بذكاء ووعي حادين مع العالم الإقليمي والدولي، مبتكراً أسلوباً خاصاً في الإدارة السياسية يربط الأمن القومي الداخلي بتشابكات الأمن العالمي.
يقف الملك عبدالله الثاني في صدارة هذه التجربة الاستراتيجية، متبنياً عقيلة سياسية تقوم على استشراف الأخطار قبل وقوعها، وقراءة الموازين الدولية بدقة متناهية. لم يتعامل الملك مع الحدود الأردنية بوصفها جداراً دفاعياً مغلقاً، بل أدراك مبكراً أن حماية الاستقرار الداخلي تتطلب حضوراً فاعلاً في صياغة القرارات الدولية المشتركة.
من هنا، جاءت رؤيته لتفكيك التعقيدات الجيوسياسية وتحويل التحديات البنيوية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، حيث استطاع بناء جسور شائكة ومستقرة في الوقت نفسه مع القوى الكبرى والإقليمية، دون أن يسلم قرار المملكة لأي محور أو يدفع بها إلى مغامرات حاسمة غير محسوبة.
ولعل التجربة الأبرز التي جسدت هذا التحول في الدور الأردني هي نشوء "اجتماعات العقبة" عام 2015. لم تكن هذه المبادرة مجرد منتدى حواري إضافي يُضاف إلى قائمة المؤتمرات الدولية، بل جاءت لتلبي حاجة ملحة في المنظومة الأمنية العالمية، وهي بناء منصة نسقية غير تقليدية تجمع بين القادة السياسيين ورؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية من مختلف القارات تحت سقف واحد. انطلقت المبادرة من قناعة ملكية مفادها أن مواجهة الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تنجح عبر الحلول العسكرية المنفردة أو داخل الحدود الوطنية الضيقة، بل تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المفهوم الكلاسيكي للحدود، وتتشارك فيها الخبرات والرؤى والمعلومات بأسلوب يتسم بالسرعة والفاعلية.
ومع مرور الوقت، أثبتت هذه المنصة الأردنية قدرتها على التمدد والـتأثير الشامل، متحولة من لقاءات ذات طابع إقليمي إلى آلية تنسيق عابرة للحدود والجغرافية. وقد تجلى هذا النجاح العملي في انتقال "اجتماعات العقبة" لتعقد جولاتها الحيوية في مراكز القرار العالمي ومختلف أقاليم العالم، من واشنطن ولاهاي ورواندا وسنغافورة وبرازيليا، وصولاً إلى العاصمة الإيطالية روما. هذا المسار الذي امتد من العقبة إلى روما لم يكن مجرد تغيير في مواقع الاجتماعات، بل عكس تحولاً بنوياً اعتمدته دول العالم للاستفادة من الرؤية الأردنية في إدارة الملفات الأمنية المعقدة، وسد الفجوات التي طالما عانت منها التحالفات الدولية في مواجهة الجماعات المتمردة والمنظمات الإرهابية.
إن قدرة الأردن على جمع أطراف دولية متنافسة في كثير من الأحيان حول طاولة حوار أمني موحدة، تعكس حجماً كبيراً من الثقة الدولية بشخص الملك وبعقل الدولة الأردنية. فالرؤية الملكية لم تتوقف عند البعد الأمني المجرد، بل أصرت دائماً على ربط مكافحة الإرهاب بالمسارات الاقتصادية والفكرية والإنسانية، وهو ما أعطى الطرح الأردني مصداقية عالية وجعله محط احترام دائم لدى مراكز التفكير وصناع القرار في العواصم الكبرى.
في نهاية المطاف، يعيد الأردن من خلال هذه الحركة الدبلوماسية الدؤوبة رسم حقيقة موقعه الإقليمي؛ فهو ليس مجرد دولة تجاور الأزمات وتكتفي بامتصاص صدماتها، بل هو شريك أساسي وفاعل في هندسة الاستقرار الإقليمي والدولي. ومن خلال صيانة التوازن الدقيق بين التحالفات الشاملة والحفاظ على أمن الوطن، يثبت الأردن أن قيادة الدول في الأوقات الصعبة لا تقاس بضخامة الموارد، بل بحكمة الرؤية وسعة الحيلة السياسية وقوة الإرادة.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأن يسبغ عليه نعمة الصحة والعافية، ويمده بالتوفيق والسداد لمواصلة قيادة هذا الوطن العزيز نحو مزيد من الرفعة والاستقرار. اللهم احفظ الأردن، أرضاً وشعباً وقيادة، وادماً عليه نعمة الأمن والآمان، واجعله دائماً حصناً منيعاً وسنداً لأمته العربية والإسلامية وللإنسانية جمعاء.