لست من هواة تضخيم الأخبار البروتوكولية، لكن الخبر الذي جاء اليوم من الرياض يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.
عندما يوقع الأمير فيصل بن فرحان ومعالي أيمن الصفدي اليوم الأربعاء في الرياض بروتوكولاً معدلاً لمجلس التنسيق الأعلى الأردني السعودي، فنحن لا نتحدث عن توقيع ورقي جديد، نحن نتحدث عن انتقال العلاقة الأردنية السعودية من مرحلة "العلاقات الأخوية الطيبة"إلى مرحلة "الشراكة المؤسسية الملزمة.
وهذا فرق كبير جداً لمن يفهم في السياسة.
دعوني أوضح لكم لماذا هذا التوقيت مهم، ولماذا هذا البروتوكول ليس عادياً.
أولاً: التوقيت ليس صدفة
التوقيع جاء في خضم إقليم ملتهب. الصفدي أكد من الرياض اليوم تضامن الأردن المطلق مع السعودية ضد اعتداءات الحوثي الإرهابية، وهذا ليس مجاملة. عندما يُستهدف مطار الملك خالد في الرياض ويصاب أردنيون هناك كما حدث قبل أيام، يصبح أمن الرياض وأمن عمان ملفاً واحداً.
الرسالة اليوم كانت واضحة: في وقت تبحث فيه دول عن محاور، الأردن والسعودية يختاران تثبيت محورهما التاريخي.
ثانياً: ماذا يعني "مأسسة التعاون"؟
كلمة مأسسة التي وردت في البيان هي مفتاح المقال كله.
المجلس الأعلى كان قد وُقع أول مرة في 2016 بحضور جلالة الملك عبدالله الثاني وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان. لكنه بقي إطاراً عاماً. ما حدث اليوم هو تطوير لهيكله التنظيمي.
ما معنى ذلك عملياً؟
معناه أن المجلس برئاسة جلالة الملك عبدالله الثاني وأخيه سمو الأمير محمد بن سلمان، سيحل محل اللجنة المشتركة القديمة، وستكون له أمانة عامة يرأسها وزيرا الخارجية، وتتفرع عنه لجان وزارية في كل شيء: اقتصاد، استثمار، طاقة، تعليم، سياحة، أمن.
لم نعد نتحدث عن زيارة واتفاقية، نحن نتحدث عن غرفة عمليات مشتركة تدير العلاقة يومياً.
ثالثاً: لغة الأرقام لا تكذب
وأنا هنا أريد أن أتوقف عند الأرقام التي أعلنت اليوم لأنها مهمة:
- حجم التبادل التجاري بيننا تجاوز 4 مليارات دولار في 2025، السعودية هي ثاني أكبر شريك تجاري للأردن.
- حجم الاستثمار السعودي في الأردن حوالي 16 مليار دولار في النقل والسياحة والبنوك.
- عدد السياح السعوديين إلى الأردن ارتفع 14% في عام واحد.
هذه ليست أرقاماً عابرة، هذه مصالح متشابكة لشعبين. عندما يصبح السعودي يستثمر 16 مليار في عمان، والأردني يعمل ويسافر عبر السعودية، يصبح الحديث عن "مأسسة التعاون" هو حماية لهذه المصالح من أي تقلبات سياسية.
الخلاصة التي أريد أن أقولها
ما جرى اليوم في الرياض هو أهم خطوة أردنية سعودية منذ 2016. هو تحويل الحب والاحترام المتبادل بين القيادتين والشعبين إلى نظام عمل يومي.
البعض يرى في المجلس بروتوكولاً، وأنا أراه طوق نجاة للبلدين في إقليم مضطرب. السعودية تحتاج إلى الأردن كعمق استراتيجي أمين في الشمال، وكصوت حكمة وعقل، والأردن يحتاج إلى السعودية كعمق اقتصادي وسياسي وأمني لا يمكن الاستغناء عنه.
هذه هي معادلة الدم والمصير التي تحدثت عنها في مقالاتي السابقة، واليوم تم وضعها في إطار رسمي ومؤسسي.
حفظ الله الأردن والسعودية، وحفظ الله هذا التحالف الذي هو صمام أمان المنطقة كلها.