بقلم:الاستاذ الدكتور - حسن عبد الله خلف البرماوي .
تخوض فرنسا اليوم تحولاً تاريخياً حاسماً يخاطب المستقبل ويقطع بثبات مع أساليب الاحتجاج التقليدية التي سادت لعقود طويلة إذ لم تعد النقابات العمالية العريقة ولا الأحزاب السياسية الكلاسيكية قادرة على ضبط إيقاع الشارع أو التحكم في بوصلة التعبئة الجماهيرية بعدما انتقل المقر الرئيسي للقيادة الميدانية بالكامل إلى أعماق الفضاء الافتراضي وتحديداً نحو منصات التواصل الاجتماعي وخوادم التنسيق المغلقة التي تحولت من أدوات للترفيه والدردشة إلى بنى تحتية استراتيجية تقود أضخم حركة احتجاجية طلابية وشبابية تشهدها أوروبا الحديثة حيث استطاع هذا الجيل المتسلح بالتكنولوجيا والمعروف بالجيل الرقمي توظيف خوارزميات فيسبوك وتيك توك وسناب شات لصناعة موجات متتالية من الغضب الشعبي العارم القائم على التفاعل السريع والانتشار الفيروسي للمظالم الاقتصادية والاجتماعية التي تمس تفاصيل حياتهم اليومية من اكتظاظ المدارس وضغوط نظام القبول الجامعي والمعاناة المعيشية ليتحول كل مقطع فيديو قصير وكل ميم ساخر إلى شرارة استنفار عابرة للمدن والمقاطعات قبل أن تنتقل تلك الجماهير المتحمسة عبر رموز الاستجابة السريعة المشفرة إلى الغرف المغلقة على تطبيق ديسكورد لتدار هناك العمليات الميدانية وتتحدد مسارات التظاهر وتوزع فرق الإسعاف والمتابعة اللحظية لخطوط سير الأجهزة الأمنية في أسلوب تنظيمي لامركزي فريد يعتمد الديمقراطية الرقمية المباشرة ويستغني تماماً عن الهياكل الهرمية والقيادات الفردية مما جعل هذا الحراك العصي على التنبؤ يربك الحسابات الحكومية والمنظومات الأمنية التي وجدت نفسها أمام قائد افتراضي متعدد الرؤوس لا يمكن التفاوض معه بالطرق السياسية التقليدية ولا إخضاعه عبر أدوات الكبح المعروفة وتجلى حجم هذه المواطنة الرقمية الجديدة وعمق تأثيرها الميداني في الأرقام والإحصائيات الصادمة التي سجلتها الميدانيات بانتشار الاحتجاجات وتسببها في تعطيل وإغلاق أكثر من 57 سبعة وخمسين موقعاً جامعياً ومؤسسة عليا وتأثر مئات المدارس الثانوية وتضرر وحرق نحو 24 أربع وعشرين مدرسة جراء المواجهات المباشرة إلى جانب إصابة أكثر من 78 ثمانية وسبعين موظفاً ومعلماً في قطاع التعليم واستنفار حشود جماهيرية ضخمة تجاوزت 260,000 مائتين وستين ألف متظاهر في العاصمة باريس وحدها خلال أيام الذروة التعبوية الوطنية إضافة إلى توقيف السلطات الأمنية الفرنسية لأكثر من 5,000 خمسة آلاف شخص منذ انطلاق الحراك وتسجيل رقم قياسي بلغ 1,747 ألفاً وسبعمائة وسبعة وأربعين حالة توقيف في يوم واحد تشكل فئة القاصرين وشباب المدارس النسبة الكبرى منها بقرابة 85% ثمانين إلى خمسة وثمانين بالمائة من إجمالي الاحتجازات في مؤشر إحصائي وسياسي واضح على حجم السخط والاندفاع الشبابي نحو التغيير عبر الأدوات الرقمية الحديثة وهو الأمر الذي وضع القضاء والمؤسسات التشريعية في مواجهة معضلة ديمقراطية وقانونية غير مسبوقة تصاعدت مع دخول قانون الخدمات الرقمية الأوروبي DSA على خط الأزمة ومحاولات بروكسل فرض عقوبات وغرامات مالية ضخمة تصل إلى 6% ستة بالمائة من الإيرادات العالمية على الشركات التقنية الكبرى لإجبارها على لعب دور الشرطي الرقمي ومراقبة المحتوى المحرض أو إزالته بفاعلية في مقابل تصدي الهيئات القضائية العليا كمجلس الدولة الفرنسي Conseil d'État لمقترحات حظر التطبيقات أو حجبها الجماعي مستنداً إلى أن الحجب يخل بمبدأ التناسب ويعد مساساً خطيراً بحرية التعبير لتؤكد هذه الانتفاضة الممتدة أن السيطرة على الساحات والميادين العامة لم تعد كافية لإخماد صوت الشارع بعدما أصبحت الأفكار والخطط تولد وتنتشر داخل خوادم رقمية مشفرة تتجاوز الحدود والمساحات الجغرافية وتؤشر إلى ولادة نمط جديد من المواطنة الرقمية والمقاومة المدنية التي لن تقف عند حدود فرنسا بل ستشكل نموذجا قابلاً للاستنساخ والعدوى في كافة المراكز الحضرية الأوروبية والعالمية التي تعاني من ذات الأزمات الهيكلية مما يفرض على الأنظمة السياسية إعادة قراءة المشهد برؤية جديدة تعترف بانتهاء عصر الوساطة التقليدية وبدء عصر الحراك الشبكي المباشر الذي لا يطفئ ناره حظر ميداني ولا يسكت صوته قطع مؤقت للبث.