يستحضر الفريق المتقاعد المهندس ضاري النوفل الزبن، في حديثه عن مسيرته الوطنية والعسكرية، محطات حافلة بالعطاء امتدت لنحو أربعة عقود في صفوف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، تدرج خلالها في مواقع ومسؤوليات مختلفة، وصولاً إلى قيادة القوة البحرية الملكية، مسجلاً حضوراً بارزاً في مشاريع التطوير والتحديث وتعزيز القدرات الفنية والبحرية للمملكة.
استعاد الزبن بدايات مسيرته منذ دراسته في مدارس محافظة مادبا وكلية الحسين الثانوية في عمان، قبل أن يحصل على بعثة من القوات المسلحة الأردنية لدراسة الهندسة في بريطانيا، حيث أنهى خمس سنوات دراسية بتقدير مرتبة الشرف من الدرجة الثانية، ليعود بعدها إلى أرض الوطن ويلتحق بالخدمة العسكرية برتبة ملازم.
وأكد الزبن أن التحاقه بالقوات المسلحة جاء بدافع المحبة والرغبة في الخدمة، إلى جانب تفوقه الدراسي الذي أهّله للحصول على بعثة هندسية، مشيراً إلى أن سنوات الدراسة في الخارج شكّلت مرحلة مهمة في حياته، خصوصاً في ظل محدودية وسائل التواصل في ذلك الوقت، قبل أن يعود إلى الأردن حاملاً شهادة الهندسة وطموحاً لمواصلة مسيرته في القوات المسلحة.
وتحدث عن أبرز أساتذته الذين تركوا أثراً في مسيرته العلمية والشخصية، مستذكراً عدداً من معلميه الذين كان لهم دور في توجيهه ودعمه خلال سنوات الدراسة، مؤكداً أن للمعلم بصمة تتجاوز حدود الصف الدراسي وتبقى حاضرة في حياة الإنسان.
وبعد عودته إلى الأردن، خضع الزبن لدورة الجامعيين العسكريين، أعقبتها دورات فنية متخصصة، قبل أن ينتقل للعمل في وحدات الميدان، حيث خدم في وحدات الدروع شمال المملكة لنحو أربع سنوات.
وكان من أبرز المحطات في مسيرته مشاركته في مشروع تحديث الدبابات، الذي شكل في حينه تجربة نوعية اعتمدت على الكفاءات الهندسية والفنية الأردنية. وأوضح أن العمل بدأ على نموذج أولي واستمر لنحو عام، فيما بلغت تكلفة تحديث الدبابة الواحدة نحو 700 ألف دولار، مقارنة بكلفة تقارب 3.5 مليون دولار للدبابة الجديدة.
وأشار إلى أن نجاح المشروع أسهم في التوسع في أعمال الصيانة والتطوير وإنشاء نواة لمشاغل الآليات الثقيلة، التي تطورت لاحقاً إلى منظومة صناعية ودفاعية متقدمة، مؤكداً أن المشروع كان مصدر فخر للقوات المسلحة وللمهندسين والفنيين الأردنيين.
وانتقل الفريق الزبن بعد ذلك إلى العمل في زوارق القصور الملكية في العقبة، حيث تدرج في المسؤوليات وصولاً إلى قيادة القوة البحرية الملكية، التي تولى قيادتها لمدة ثماني سنوات.
واستعرض خلال اللقاء عدداً من المشاريع التي شارك فيها، من بينها تصميم مرافق ومراسي نادي اليخوت الملكي ومرافق زوارق القصور الملكية، إلى جانب الإسهام في إنشاء وتطوير القاعدة البحرية الحديثة في العقبة، التي أصبحت قادرة على استقبال قطع بحرية كبيرة وتوفير المرافق اللازمة للقوات البحرية والطواقم البحرية الزائرة.
وأكد أن تطوير المنشآت البحرية جاء في إطار تعزيز قدرة الأردن على حماية مياهه الإقليمية ومصالحه الحيوية في خليج العقبة، مشدداً على أن أمن العقبة البحري يمثل أهمية استراتيجية للمملكة، باعتبار الخليج منفذ الأردن البحري وشرياناً حيوياً للتجارة والنقل.
وفي حديثه عن القوة البحرية الملكية، أشار الفريق الزبن إلى التطور الكبير الذي شهدته خلال العقدين الماضيين، سواء على مستوى المعدات والقوارب والأجهزة والتدريب أو الكوادر البشرية والمنشآت، معرباً عن ثقته بالشباب الأردني العامل في القوة البحرية وقدرتهم على مواصلة مسيرة التطوير والعطاء.
كما تناول أهمية النقل البحري في الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الجزء الأكبر من التجارة الدولية يتم عبر البحر، ما يجعل أمن الملاحة البحرية وحماية خطوط التجارة مسؤولية دولية مشتركة، مشيراً إلى أهمية التعاون بين الدول المطلة على خليج العقبة والبحر الأحمر في تأمين حركة النقل البحري وتسهيل التجارة.
ودعا الشباب الأردني إلى التوجه نحو القطاع البحري، سواء العسكري أو التجاري، مؤكداً أن هذا المجال يوفر فرصاً واسعة أمام الشباب المجتهد، وأن التطورات التي يشهدها العالم تجعل المجال البحري أحد القطاعات المهمة التي يمكن للشباب بناء مستقبلهم المهني من خلالها.
واستذكر الزبن خلال اللقاء عدداً من المواقف الصعبة التي واجهها خلال خدمته البحرية، مبيناً أن البحر يتطلب الاستعداد الدائم والحذر، خصوصاً في ظل التغيرات المفاجئة في الأحوال الجوية وارتفاع الأمواج.
وروى حادثة تعرض لها أحد اليخوت الملكية أثناء عودته من اليونان، عندما واجهت الرحلة أمواجاً عاتية أدت إلى تحطم الزجاج الأمامي وتسرب المياه إلى منطقة التحكم وتوقف المحرك، قبل أن يتمكن الطاقم الفني والبحريون من معالجة الخلل وإعادة تشغيل المحرك ومواصلة الرحلة حتى الوصول إلى مياه أكثر هدوءاً.
وفي جانب آخر من حديثه، شدد الزبن على أهمية سيادة القانون والعدالة في الإدارة، مؤكداً أن المسؤول عندما يطبق القانون بعيداً عن المحاباة يكون أكثر اطمئناناً، ويحظى باحترام المواطنين، داعياً مختلف المسؤولين إلى جعل القانون أساساً للعمل واتخاذ القرار.
وتوقف عند مرحلة ما بعد التقاعد والانتقال من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية، مشيراً إلى أن الانتقال لم يكن سهلاً بعد نحو 40 عاماً من الخدمة العسكرية، وأن طبيعة الحياة العسكرية القائمة على الانضباط والدقة تختلف عن الحياة المدنية، التي قال إنها كشفت له بعض الظواهر السلبية التي لم يكن يواجهها بالدرجة ذاتها خلال خدمته العسكرية.
ووجّه الزبن رسالة واضحة إلى الشباب، مؤكداً أن العمل ليس عيباً، وأن العيب الحقيقي هو الاتكال على الآخرين ورفض فرص العمل المتاحة.
وقال إن الشباب في دول أخرى يعملون في المطاعم ومحطات الوقود ومختلف المهن أثناء دراستهم، ولا يرون في ذلك انتقاصاً من شأنهم، داعياً الشباب الأردني إلى الإقبال على قطاعات الزراعة وتربية المواشي والمطاعم ومحطات الوقود وغيرها من المهن، وعدم انتظار الوظيفة التقليدية.
وأكد أن الإنسان يجب أن يعتمد على نفسه وأن يشق طريقه بجهده، مشدداً على أن قيمة العمل لا ترتبط بنوع المهنة، وإنما بكرامة الإنسان وقدرته على الاعتماد على ذاته.
وفي حديثه عن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، عبّر الزبن عن اعتزازه الكبير بالخدمة فيها، مؤكداً أن القوات المسلحة أسهمت في بناء شخصيته وتأهيله ومنحته شرف خدمة الوطن، وقال إن خدمة الجيش شرف لا يضاهيه شرف، مستذكراً السنوات التي قضاها في مواقع المسؤولية وخدمة الوطن.
كما عبّر عن تقديره للأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، مؤكداً أن أبناء هذه المؤسسات قدموا الكثير من أجل أمن الأردن واستقراره، وأن الحفاظ على سمعة القوات المسلحة كان دائماً أولوية لدى من خدموا في صفوفها.
واستذكر الزبن كذلك سنوات خدمته التي أتاحـت له العمل إلى جانب جلالة الملك عبدالله الثاني، وقبل ذلك في عهد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، مؤكداً اعتزازه بخدمة القيادة الهاشمية، ومعبراً عن تقديره للجهود التي يبذلها جلالة الملك في خدمة الأردن والحفاظ على مكانته وسمعته.
وتكشف مسيرة الفريق المتقاعد المهندس ضاري الزبن عن نموذج لضابط ومهندس أردني جمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العسكرية والعمل الفني والقيادة، وأسهم خلال سنوات خدمته في مشاريع تطويرية تركت أثراً في مسيرة القوات المسلحة، وصولاً إلى قيادة القوة البحرية الملكية.
وبين محطات الدراسة في بريطانيا، والعمل الميداني، ومشاريع تحديث الدبابات، وتطوير المنشآت البحرية، وقيادة القوة البحرية الملكية، تبقى الرسالة الأبرز في مسيرته أن خدمة الوطن مسؤولية وشرف، وأن الكفاءة والانضباط والعمل الجاد قادرة على صناعة الفارق وبناء الإنجاز.