قديماً كان فكّاك النَّشَب يدفع من ماله، وحديثاً صار فكّاك النَّشَب يقبض من مال الناس.
ولكي نعرف الفرق بين الشيخ الحق وشيخ المظهر، لا بد أن نعود إلى الأصل.
في حرب داحس والغبراء، تلك الحرب الحمقاء التي اشتعلت أربعين عاماً بين عبس وذبيان بسبب فرسٍ يُدعى داحس وفرسٍ تُدعى الغبراء، حتى سال الدم وصارت الرمال كأنها خُضبت بالحناء.
من الذي أطفأها؟
لم يُطفئها أصحاب الخُطَب، ولا أصحاب العباءات المُطرّزة، ولا لجان الإصلاح التي تكثر اليوم.
أطفأها سيدان شريفان من سادات العرب: *هرم بن سنان والحارث بن عوف المُرّي.*
ماذا فعلا؟ لم يأتيا بوليمة ولا بمصوّر، ولم يقولا نحن الشيوخ والوجهاء. بل جاءا وسألا: كم عدد القتلى؟ فقيل لهما: كثير. فقالا قولتهما الخالدة: دياتهم جميعاً علينا.
*ثلاثة آلاف بعير من حرّ مالهما، يدفعانها على ثلاث سنوات،* من إبلهما الخاصة، ومن كدّ سنينهما، ليحقنا دماء قومهما ويوقفا نزيفاً استمر عقوداً. ولذلك خلّدهما زهير بن أبي سلمى في معلقته، لأنهما اشتريا السِّلم بمالهما لا بلسانهما.
ثم انظر الآن إلى فكّاكي نشب هذا الزمان.
تقع جريمة قتل، أو شجار، أو فتنة بين عائلتين، فإذا بخمسين شيخاً يخرجون من حيث لا ندري، كأنهم كانوا مختبئين في جيب العباءة. أحدهم يميل عقاله، والآخر يأتي بمصوّرٍ خاص، وثالث يفتح بثاً مباشراً على مواقع التواصل.
فماذا يدفع أحدهم؟ *لا يدفع ديناراً واحداً من جيبه.*
هو مجرد وسيط، سمسار دم، يأخذ من أهل الجاني ليعطي أهل المجني عليه، فإن زاد المال أخذ عمولته، وإن نقص قال: "الكرامة تُهوِّن كل شيء". هو لا يُصلح، بل ينقل الكلام. لا يفك النشب، بل يفك الولائم.
هرم بن سنان دفع ثلاثة آلاف بعير وسكت، فخلّده التاريخ. وفكّاك اليوم يدفع ثلاثة آلاف إعجاب على صورته وهو يأكل الحلوى في الجاهة، ويحسب نفسه هرم بن سنان.
ولو أننا جرّبنا اختباراً بسيطاً وقلنا لبعض من حضر الجاهة: ادفع مئة دينار من مالك الخاص مساهمةً في إطفاء الفتنة، *لما رأيت أغلبهم.* لانفضّ المجلس، وبقي فيه هرم بن سنان وحده، وبقيت الكراسي فارغة إلا من الصادقين.
الفرق واضح:
الأول ستر عيوب قومه بماله.
والثاني ستر ماله بعيوب قومه.
المشيخة ليست بعباءة، ولا بكثرة الجاهات التي حضرتها، ولا بعدد الصور التي التقطتها. المشيخة أن تدفع حين يهرب الجميع، وأن تخسر مالك ليربح الناس دماءهم وأمنهم.
ولو كان هرم بن سنان بيننا اليوم، لطرد نصف شيوخنا من المجلس وقال: من لا يضع يده في جيبه، فلا يضع يده في الصلح.