هناك رجالٌ يغيبون عن أعيننا، لكنهم يظلون حاضرين في القلوب والذاكرة، لا تطويهم الأيام، ولا تنال من مكانتهم السنون؛ لأنهم تركوا في حياة من عرفوهم أثرًا طيبًا، وغرسوا في النفوس محبةً صادقة لا تمحوها المسافات ولا يغيّبها الرحيل.
ومن هؤلاء الرجال الذين استحقوا أن تبقى أسماؤهم حاضرة في ذاكرة رفاقهم، المرحوم إسماعيل الطحلاوي، أبو رهام، ذلك الرجل الذي ترك بصمةً إنسانية وعسكرية مميزة في نفوس رفاق السلاح، وفي ذاكرة رجال الجيش العربي الذين جمعته بهم سنوات الخدمة العسكرية، ومواقف الرجولة، وأيامٌ لا تُنسى من الرفقة والوفاء.
لقد منحنا الجيش العربي الأردني الكثير من القيم والمعاني النبيلة، وفتح لنا أبواب الأخوة الصادقة التي تجاوزت الرتب والمواقع، لتصنع بين الرجال روابطَ راسخة لا تنفصم. ومن أجمل ما تبقى في ذاكرة المرء من تلك المسيرة، صداقاتٌ صادقة، ورجالٌ تركوا في النفس أثرًا لا يزول، وكان إسماعيل الطحلاوي واحدًا من أولئك الرجال الذين ازدانت بهم أيام الخدمة، وازداد بهم معنى الرفقة جمالًا وصدقًا.
كان إسماعيل رجلًا تألفه القلوب، وتأنس إليه النفوس، وتلتقي عند محبته مشاعر الجنود وضباط الصف والضباط، دون تكلّف أو تصنّع. امتلك من طيب المعشر ما جعله قريبًا من الجميع، ومن المروءة والشهامة ما جعله موضع احترام وتقدير، فكان حضوره يجمع ولا يفرّق، ويزرع الألفة حيثما حلّ، ويترك وراءه ذكرى جميلة كلما غادر مجلسًا أو افترق عن رفيق.
ولقد عرفناه رجلًا لا يحتاج إلى الألقاب كي ترتفع مكانته، ولا إلى المناصب كي يثبت حضوره؛ فقد كانت أخلاقه عنوانه، ومواقفه شاهدًا على معدنه الأصيل، ومحبة رفاقه أصدق شهادة على ما كان يتمتع به من صفات الرجال الكرام.
وما أكثر الرجال الذين نلتقي بهم في مسيرة الحياة، لكن قليلًا منهم من يترك في النفوس أثرًا بهذا العمق، وقليلًا منهم من تتفق القلوب على محبته كما اتفقت على محبة إسماعيل الطحلاوي. لقد كان من أولئك الذين يحملون في طباعهم بساطة الرجال الكبار، وفي مواقفهم شموخ الفرسان، وفي علاقاتهم وفاءً يجعل ذكراهم حيةً مهما طال الغياب.
لقد كان بين رفاق الكتيبة عزيز المكانة، شامخ الحضور، يحمل من المروءة ما يليق برجال الجيش العربي، ومن الشهامة ما يجعل المرء يشعر بأن الرجولة ليست كلماتٍ تُقال، بل سلوكٌ يُعاش، ومواقف تُثبتها الأيام، وأخلاقٌ تبقى شاهدةً لصاحبها بعد الرحيل.
وإذا كانت الرتب العسكرية تُعبّر عن المواقع والمسؤوليات، فإن محبة الرجال هي الرتبة التي لا تُمنح بقرار، ولا تُكتسب بالمظاهر، وإنما يصنعها صدق الإنسان، ونبل أخلاقه، وطيب أثره في حياة الآخرين. وتلك منزلةٌ بلغها أبو رهام في قلوب رفاقه، فبقي اسمه حاضرًا في أحاديثهم، وبقيت سيرته تُروى بكل محبة واعتزاز.
رسالة وفاء إلى رهام
يا رهام، ابنة الرجل الذي لم يغب عن قلوب رفاقه، ويا ابنة رفيق السلاح الذي ترك خلفه إرثًا من المحبة والذكر الطيب؛ إننا، نحن رجال الدروع ونشامى الدبابات، رفاق والدك وإخوانه الذين جمعتهم به ميادين الخدمة العسكرية وأيامها، نحمل له في قلوبنا وفاءً لا ينقطع، وذكرياتٍ لا تمحوها الأيام.
نشهد بما عرفناه عنه وعشناه معه من طيب المعشر، والمروءة، والشهامة، وصدق الأخوة، ونذكره بكل خير، ونسأل الله العلي القدير أن يجعل محبتنا له وذكرنا الطيب لسيرته في ميزان حسناته، وأن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته.
يا رهام، قد يغيب الأب عن البيت، لكن أثره يبقى في أبنائه، وتظل سيرته الطيبة مصدر فخرٍ واعتزاز لهم. وأبوكِ واحدٌ من الرجال الذين لم يكن حضورهم مرتبطًا بوجودهم بيننا فحسب، بل بما تركوه من محبةٍ في القلوب، ووفاءٍ في النفوس، وذكرياتٍ تستيقظ كلما اجتمع رفاق السلاح واستعادوا أيامهم الجميلة.
دعوة إلى الوفاء والدعاء
أيها الأحبة، يا رفاق السلاح، ويا من جمعتنا بهم أيام الجيش العربي وذكرياته، ونحن نستقبل عشية الجمعة المباركة، فلنجعل لأخينا ورفيقنا المرحوم إسماعيل الطحلاوي نصيبًا من دعائنا، ولنتذكر أن الدعاء من أصدق صور الوفاء لمن سبقونا إلى دار الحق.
اللهم إن إسماعيل عبدك وابن عبدك، وقد صار إلى رحمتك، فأكرم نزله، ووسّع مدخله، وآنس وحشته، ونوّر قبره، واجعله روضةً من رياض الجنة.
اللهم اغفر له وارحمه، واعفُ عنه وأكرم نزله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجزه عن أهله وأحبته ورفاقه خير الجزاء.
اللهم اجعل ما تركه من ذكرٍ طيب ومحبةٍ صادقة شاهدًا له بالخير، وارفع درجته في المهديين، واجمعه بمن يحب في جنات النعيم، وألهم ابنته رهام وأهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء.
رحم الله إسماعيل الطحلاوي، أبا رهام، رحمةً واسعة.
رحم الله الرجل الذي غاب جسده، وبقيت روحه حاضرةً في ذاكرة رفاقه، وبقيت مواقفه الطيبة تحكي قصة إنسانٍ أحبّه الناس لطيب أصله ونبل أخلاقه.
سلامٌ على روحك الطاهرة يا أبا رهام، وسلامٌ على أيامٍ جمعتنا بك في رحاب الجيش العربي، وسلامٌ على ذكراك التي ستظل حيّةً في قلوب رفاق السلاح.
ستبقى الغائب الحاضر؛ لأن الرجال الذين يزرعون المحبة في القلوب لا يرحلون من الذاكرة، ولأن الوفاء لرفاق السلاح عهدٌ لا تسقطه الأيام.
رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، وجعل ذكراك الطيبة نورًا يرافقك، وأثرًا جميلًا يبقى بين أهلك ومحبيك ورفاق دربك.