ليست عمان مجرد حاضرة صخرية نبتت على تلال الشرق بل هي تجسيد مكاني لمعادلة الاستقرار السياسي والثقافي والاجتماعي في المشرق العربي وهي المدينة التي هندست على جبال تاريخية شامخة من الأشرفية والقلعة والقصور إلى جبل عمان واللويبدة والحسين والجوفة لتتحول من بلدية صغيرة في بداية القرن العشرين إلى عاصمة يقطنها اليوم أكثر من أربعة ملايين وخمسمائة ألف نسمة مسجلة واحدة من أنصع قصص التحضر والتوسع الجغرافي والثقافي في المنطقة حيث يستقر البنك المركزي الأردني صرح السيادة النقدية والمالية للمملكة في موقع استراتيجي حاسم على شارع الملك حسين شارع السلط في الطريق المؤدية إلى منطقة العبدلي بجانب بنك الدم ليشكل هذا الموقع مرجعا هندسيا وإداريا لوسط العاصمة يضم متحف النقد الأردني الذي يوثق تاريخ الدينار والسياسة النقدية الرصينة عبر العقود وبجواره يقف قصر العدل كصرح للقضاء الهائل والرمز الراسخ لسيادة القانون والعدالة الناجزة مكتملة به معالم المربع السيادي والإداري لدولة المؤسسات وفي الوقت الذي يمثل فيه جبل عمان مركز السياسة والدبلوماسية والتشريع يتلألأ الجبل بمعالمه التاريخية الخالدة بدءا من مبنى البرلمان الأردني القديم مجلس الأمة بسقفه المعماري الشاهد على انطلاقة الحياة التشريعية والقرارات الوطنية المصيرية وصولا إلى متحف الحياة البرلمانية الذي يوثق الذاكرة السياسية للدولة وبجواره تقف عمارة التأمين كعلامة حداثية هندسية فارقة ينبثق منها شارع الرينبو الشهير قرب الدوار الأول بشوارعه المرصوفة ومبانيه التراثية ومقاهيه الثقافية متكاملا مع مبنى دائرة الجوازات العامة القديم الذي أطعم الذاكرة الإدارية والمدنية لأبناء عمان والمملكة.
وإلى جانب هذه الرموز السياسية والإدارية يبرز جبل اللويبدة كالموئل الفكري المعمور والمعقل الفني والأرستقراطي الذي منح عمان طابعها الثقافي النبيل إذ يحتضن الجبل مقر نقابة الفنانين الأردنيين التي جمعت قامات المسرح والدراما والفن والموسيقى إلى جانب رابطة الكتاب الأردنيين ورابطة التشكيليين ودارة الفنون والمصرف الثقافي الفرنسي كما يختزن ذاكرة معمارية فريدة تتجلى في بيوته التراثية الراسخة كبيت يعيش القائم منذ خمسينيات القرن العشرين بحجاره الوردية وشرفاته القوسية وحدائقه الغناء والذي تحول إلى صرح ثقافي يروي حكاية العائلات العمانية الأولى وسط نسيج اجتماعي دافئ يمتد بين أسوار مستشفى لوزميلا العريق القائم منذ عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين وكلية تراسانطة وأدراج عمان القديمة الشهيرة والتاريخية كدرج الكلحة ودرج جوهر ودرج بسمان ودرج أورفلي التي نسجت شرايين الاتصال الإنساني الفريد وأدراج اللويبدة التي صعدت عليها الأجيال لتصنع موزاييك فريدا من التسامح والتعايش المجتمعي وعلى امتداد أزقة وسط البلد شكلت دور السينما الترفيهية الفنية الرئة الثقافية اليومية التي صنعت متعة الحياة لوسط عمان خلال منتصف القرن العشرين حيث توزعت في أرقى شوارعها لتتقدمها سينما الخيام كأيقونة سينمائية استثنائية بموقعها المحاذي للتلال المؤدية إلى اللويبدة وشارع السلط وبنائها المعماري ذي الواجهة الشبكية العصرية كصالة عرض رفيعة المستوى استقبلت روائع السينما العربية والعالمية وحفلات الافتتاح الرسمية التي جمعت الأدباء والمفكرين والعائلات العمانية إلى جانب سينما الحسين في شارع السلط وسينما فلسطين وسينما بسمان وسينما رغدان في شارع بسمان الشهير وسينما عمان وسينما البترا وسينما الحمراء والدنيا والكواكب الموزعة في شوارع فيصل وطلال.
وعلى مقربة من ذلك الشغف الفني يتجلى المركز الروحي والتجاري لوسط البلد حيث يقف المسجد الحسيني الكبير وسبيل مائه التاريخي يروي ظمأ العابرين والتجار شاهدا على نبض الحياة اليومية وبجواره ينبض سوق الذهب ببريق الحرفة والتاريخ محاذيا لشارع الملك فيصل متكاملا مع عبق التاريخ الفواح من منظومة الأسواق الشعبية التليدة التي تتقدمها سوق البخارية أقدم أسواق عمان بأزقتها المليئة بالتحف والخردوات والعطور التراثية وسوق اليمانية الزاخر بالأقمشة والملابس والمستلزمات الشعبية وسوق البلابسة الحافل بالإكسسوارات والنوفوتيه وصولا إلى سوق الحميدية الممتد على طول شارع الملك طلال العصب التجاري الأول لعمان القديمة بمحلات الأقمشة والعطارة والعطور ومقر التجار الأوائل والشارع الذي ربط المحافظات الأردنية الاثنتي عشرة بقلب العاصمة متكاملا مع شارع الشابسوغ وطلعة جسر الحمام والمطاعم والمقاهي القديمة كمطعم هاشم وحبيبة وجبران ومقاهي النوفلية والسنترال وشعشاعة وفي الأعالي يقف جبل الأشرفية كواحد من أبرز جبال عمان وأكثرها تأثيرا في صياغة هويتها الشعبية مطل بإشراقة ساحرة على وسط البلد والديوان الملكي الهاشمي العامر في جبل القصور وقصر رغدان العامر الذي أسسه الملك عبد الله الأول عام ألف وتسعمائة وستة وعشرين حيث يرتفع مسجد أبو درويش بأسلوبه المعماري الأبلق المتميز بحجارته البيضاء والسوداء وبجواره الحاووز خزان الماء التاريخي ومستشفى الجراحي القديم مستشفى البشير حاليا الصرح الطبي الأول والمدارس العريقة كمدرسة حسن البرقاوي التي خرجت الرعيل الأول من رجالات الدولة.
وفي قلب جبل عمان تقف مدارس الكلية العلمية الإسلامية كشاهد حي على روح التأسيس التربوي الأصيل منذ تأسيسها عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين من قبل جمعية الثقافة الإسلامية بجهود وتبرعات سخية لأبناء الأردن حيث احتضنت جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال وجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين والأمراء وقيادات الدولة وينتصب برج ساعتها الشهير ليضبط إيقاع الصباح بجوار ملعبها التاريخي الذي شهد أعتى البطولات والمهرجانات الوطنية وهي الصرح التربوي العظيم الذي تشرفت بتلقي تعليمي في رحابه خلال عقدي الستينيات والسبعينيات معايشا عصره الذهبي وروحه الوطنية الرفيعة وفي جبل القلعة يتمازج التاريخ العموني والروماني والأموي مع محيط العاصمة وتاريخها السياسي الذي شهد عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين إعلان الاستقلال وعام ألف وتسعمائة وستة وخمسين القرار التاريخي للملك الحسين بن طلال بتعريب قيادة الجيش العربي وفي الأسفل يقف المدرج الروماني وبجواره سبيل الحوريات النمفيوم كصروح أثرية خالدة من القرن الثاني الميلادي حيث شهدت المدرجات الكلسية حشود الأهالي لمتابعة مباريات المصارعة الحرة الدولية والاستعراضية التي كانت تقام على أرضيته الرملية في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات مخلدة ذكريات شعبية لا تنسى متكاملة مع الدور الوطني للأندية الرياضية وفي مقدمتها النادي الأهلي الذي تأسس عام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين تحت اسم النادي الشركسي والذي جسد التلاحم والعيش المشترك ورفد المنتخبات الوطنية بأبرز الأبطال من مقره التاريخي برأس العين جنبا إلى جنب مع نادي الجزيرة والفيصلي ونادي الأردن لتكتمل الصورة مع الفنادق التاريخية كفندق فيلادلفيا القديم قبالة المدرج الروماني وفندق الأردن إنتركونتيننتال وفندق جبل عمان والألكازار وقصر هشام والحزام الأخضر الممتد في غابات المدينة الرياضية وصويلح والكمالية ومتنزه عمان القومي وغابات ملك البحرين غابات غمدان وحدائق الملك عبد الله الثاني وحدائق الحسين.
وتكتمل هذه اللوحة العمرانية والحضارية بالمسيرة الشاملة لأمانة عمان الكبرى منذ تأسيس أول مجلس بلدي عام ألف وتسعمائة وتسعة برئاسة إسماعيل بابوق وتحولها لأمانة عمان الكبرى عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين متوجة هذا العطاء بتأسيس مكتبة أمانة عمان الكبرى في قلب وسط البلد لتكون منارة إشعاع فكري ومعرفي أسهمت في صياغة الوعي الثقافي لأجيال متعاقبة ولتظل عمان في محصلة المجد القلعة المنيعة التي لا تتنازل عن شموخها وملاذ الأحرار والحرائر وموئل المستضعفين ومأوى كل قاصد للعروبة والأمان إذ فتحت العاصمة حضنها الدافئ عبر العقود لاستقبال موجات الهجرة المتعددة من الشراكسة والشيشان والعرب من فلسطين وسوريا والعراق والخليج والمغرب العربي محولة التنوع إلى مصدر قوة وأصالة وتحت ظل الرعاية الهاشمية السامية ونخوة الشعب الأردني العظيم المترابط بأهله الطيبين أضحت عمان الحصن المنيع والواحة الاقتصادية والبيئة الآمنة الجاذبة لكل من يرغب في الاستثمار والتنمية وبناء المستقبل لتبرهن دوما أنها القلعة الحديدية الصامدة في وجه التحديات والمنارة التليدة التي تفتح أبوابها للجميع لتبقى قصيدة حية من الحجر والضوء وسفرا أردنيا خلدته الجغرافيا وشيدته سواعد أبنائها المخلصين.