في كل جلسة نجلسها مع بعضنا البعض بمفهوم الصداقة والمحبة والمودة تجد دائماً ذلك الصديق الذي يبدو وكأنه يعرف كل شيء.
تبدأ الحديث عن العمل فيعطيك حلاً. تتحدث عن مشكلة في بيتك فيعطيك حلاً. تتحدث عن مشكلة في الشارع فيعطيك حلاً. مشكلة مع الجيران عنده لها حل. مشكلة مع أصدقائك عنده لها حل. مشكلة في دوامك عنده لها حل. مشكلة في سفرك عنده لها حل. وحتى المشكلة التي بينك وبين نفسك ولا تجد لها حلاً تجد عنده لها حلاً.
والأجمل أنه غالباً يكون مقتنعاً تماماً بما يقول.
نحن في بلدنا الحبيب نحب أن نساعد بعضنا وهذه صفة جميلة في مجتمعنا الأردني الأصيل والطيب. الواحد منا لا يحب أن يرى صديقه محتاراً أو متضايقاً دون أن يحاول مساعدته أو إعطاءه رأياً. لكن المشكلة أحياناً أننا لا نكتفي بالنصيحة بل نتحول إلى أصحاب خبرة في كل شيء.
الموضوع ليس في النصيحة نفسها. النصيحة بين الأصدقاء جميلة ومطلوبة وأحياناً تكون كلمة من صديق قريب أقرب إلى القلب من كلام كثير من الناس. لكن هناك فرق بين أن تسمع رأي صديقك وبين أن تجعل رأيه هو القرار.
من الجميل أن يأخذ الإنسان بمقترحات الأشخاص القريبين منه وخاصة الأصدقاء الذين يثق بهم ويعرف محبتهم وصدقهم. لكن مهما كان قرب الشخص منك تبقى النصيحة رأياً يحتمل الصواب والخطأ. لذلك من الأفضل أن تسمع وتفكر ثم تقرر بنفسك حتى لا يأتي يوم تندم فيه على قرار اتخذته لأنك أخذت برأي غيرك أكثر مما ينبغي، علما انه من الممكن ان يكون صديقك فعلا بحاجه إلى مساعدته ونصيحته .
إلا انه احيانا تكون المشكلة أكبر من مجرد نصيحة عابرة. فالإنسان عندما يكون محتاراً أو متعباً نفسياً يكون أكثر استعداداً للتأثر بكلام الشخص الذي يثق به. وكلمة الصديق القريب قد تكون سبباً في قرار لم يكن ليأخذه لو أنه فكر فيه بهدوء.
قد يقول لك صديقك اترك هذا العمل فتتركه. وقد يقول لك لا تتزوج هذا الشخص فتبتعد. وقد يقول لك لا تهتم بهذا الأمر فتتركه دون أن تبحث أكثر. وقد تكون النصيحة مبنية على تجربة شخصية أو معلومة ناقصة أو مجرد انطباع.
والأصعب أن القرار الخاطئ قد يترك أثراً في النفس. فقد يشعر الإنسان بالندم ويسأل نفسه لماذا سمعت كلام غيري ولم أسمع نفسي. وقد تتأثر ثقته بقراراته ويصبح في كل مرة بحاجة إلى رأي شخص آخر حتى يقرر.
لهذا فإن الصديق الحقيقي لا يفرض عليك طريقه. يعطيك رأيه ثم يترك لك مساحة التفكير والاختيار. يقول لك أنا أرى الأمر بهذه الطريقة لكن القرار في النهاية قرارك.
والنصيحة مسؤولية أيضاً عندما يكون الشخص الذي أمامك يثق بك ويأخذ كلامك على محمل الجد. وأحياناً أفضل نصيحة يمكن أن تقدمها لصديقك هي أن تقول له لا أعرف أو اسأل شخصاً مختصاً أو فكر بالموضوع أكثر قبل أن تقرر.
فالاعتراف بعدم المعرفة ليس نقصاً. بل قد يكون أحياناً أكثر أنواع النصيحة صدقاً.
وفي كثير من الأحيان لا يريد صديقك منك أن تصلح حياته. يريد فقط أن يجلس أمامك ويحكي. يريد شخصاً يسمعه دون أن يحكم عليه أو يشعره أن حياته تحتاج إلى إصلاح.
بمجرد أن يبدأ صديقنا بالكلام نبحث في ذاكرتنا عن موقف مشابه ثم نعطيه قصة من حياتنا ونصل إلى الحل الذي نعتقد أنه سينهي المشكلة خلال خمس دقائق.
وفي كثير من الأحيان يكون كل ما يحتاجه منا هو أن نقول له أنا فاهم عليك.
فالصداقة الحقيقية ليست أن تعرف كل الإجابات. أحياناً هي أن تجد شخصاً تستطيع أن تجلس معه وتحكي له دون خوف من الحكم عليك أو إعطائك حلولاً لا تريدها.
وفي النهاية تبقى الصداقة الحقيقية من أجمل الأشياء التي يمكن أن نملكها في هذه الحياة.
سلامٌ على الدنيا إن لم يكن بها إنسان
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفاً
فالإنصاف صفة جميلة من صفات الصديق الحقيقي وهو دليل على المحبة والمودة بين الناس.