تصدر في الآونة الأخيرة حديثٌ أحد الوزراء السابقين، مجالس الأردنيين ودواوينهم، وقد حظي باهتمام لافت من الصحف والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، عندما أشار في حديثه إلى أن والده كان وزيرًا، وأنه تولّى الوزارة، وأن عمه كان وزيرًا، وكذلك جده والقائمة تطول. قد يبدو التصريح في ظاهره مجرد حديث عابر أو استعراض لمسار عائلي في العمل العام، إلا أن ردود الفعل الواسعة التي أثارها كشفت عن حساسية أعمق في وجدان المجتمع الأردني وسؤال بات يتردد حول مسألة تكافؤ الفرص، وتداول المواقع العامة، وأحقية وعدالة الوصول إلى الوظائف العليا في الدولة. فما أثار الاستياء في المجتمع الأردني ليس الأشخاص بحد ذاتهم، ولا انتماؤهم إلى عائلات خدمت الدولة الاردنية في مراحل مختلفة من تاريخها المشرق، إذ أن خدمة الوطن شرف لا ينتقص منه أن تتوارث الأسرة تقاليد العمل العام. ولكن تكمن الإشكالية عندما تتحول الوظيفة العامة، مع مرور الوقت من فضاءً مفتوح أمام جميع الأردنيين إلى امتياز قابل للتوارث، حينها يشعر المواطن البسيط أن بعض المواقع محجوزة سلفًا لأبناء عائلات بعينها، وعليه أن يقطع طريقًا طويلًا وشاقًا لإثبات ذاته واستحقاقه عندها تتسع دائرة المتأثرين بهذا الخطاب، ولن تقتصر على أبناء الطبقات الكادحة والعمال والموظفين، بل تمتد أيضًا إلى شريحة واسعة من الأردنيين الحالمين الذين يؤمنون. بأن بالدولة كيان مقدس قائم على القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية، وأن معيار الوصول إلى مواقع المسؤولية الأولى ينبغي أن يكون على أساس الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، لا على الاسم العائلي أو النفوذ الاجتماعي، أو العائلة. شخصيا لا أتعامل مع هذا التصريح بوصفه أمرًا يبعث على الغضب بقدر ما رأيته مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم ومتجدد هل ما زالت الوظيفة العامة في الأردن متاحة أمام الجميع؟ لقد كنت، وما زلت من المؤمنين بأن تعزيز قيم المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص هو الطريق الأمثل والأكثر أمانًا لبناء دولة قوية ومتماسكة، وأن أبواب الخدمة العامة ينبغي أن تظل مفتوحة أمام أبناء الوطن بشتى الأصول والمنابت، بمختلف مناطقهم وبيئاتهم الاجتماعية، وبأن يكون معيار التمايز بينهم الكفاءة والقدرة على الإنجاز والالتزام بالقانون والولاء المطلق للوطن وقيادته الهاشمية المظفرة ، فالوطن ليس امتيازًا لفئة دون أخرى، والدولة ليست ملكًا لعائلة أو طبقة اجتماعية، كذلك هي الوظيفة العامة ليست إرثًا ينتقل من جيل إلى جيل. بل مسؤولية وطنية قبل أن تكون موقعًا أو وجاهة، وتكليف قبل أن تكون تشريفًا، ولا سيما في المواقع العليا في الدولة، وعلى المسؤول أن يدرك أن المنصب لا يمنحه امتيازًا على سائر المواطنين بقدر ما يحمّله مسؤولية أكبر تجاههم. فكلما ارتفع موقع المسؤول وارتقى بخطابه، ارتفع معه حجم الواجب الملقى على عاتقه، وتعاظم معه نطاق الالتزام بالقانون. وعليه فإن المسألة ليست في أن يكون والد المسؤول وزيرًا أو عمه وزيرًا أو جده وزيرًا، وهذا جزء من تاريخ عائلات أردنية أسهمت في خدمة الدولة ولا يجوز إنكار ذلك. الا انه في المقابل يجب ان يشعر أبناء الأردنيين الذين بنوا هذا الوطن بأيديهم أن الفرص متساوية بينهم وبين غيرهم.وإن يشعر أبناء الحراثين والعمال والجنود والموظفين والمزارعين وأصحاب المهن البسيطة بأنهم ليسوا أقل وطنية، ولا أقل قدرة، ولا أقل استحقاقًا من أبناء العائلات التي تولّى أفرادها مواقع عامة. إذ أن أبناء الطبقات الكادحة بنوا حياتهم بالكد والتعب، وربما لم يمتلكوا سوى اسمهم وسيرتهم واجتهادهم ليطرقوا أبواب الدولة ووظائفها، ومن حقهم أن يشعروا بأن الدولة دولتهم، وأن الدستور من يحمي فرصهم للوصول اليها ، وأن الكفاءة وحدها تفتح لهم الطريق، وأن أسماءهم لا تقاس بأسماء آبائهم وأجدادهم، بل بما يستطيعون أن يقدموه للوطن وقائده المفدى حفظه الله ورعاه.
وختامًا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقة العامة ليس وجود عائلات خدمت الدولة عبر أجيال، وإنما أن يتحول هذا الأمر إلى شعور عام يترسخ في الوجدان بأن الامتياز يُورث، بينما الكفاءة تنتظر دورها. فالأردن الذي نحلم به ليس أردن الامتيازات الموروثة، بل أردن الفرص المتكافئة، وليس أردن الأسماء الكبيرة، بل أردن الكفاءات القادرة على حمل المسؤولية والتضحية للوطن بلا مقابل. وتبقى الدولة الأردنية اقوى وأمتن حينما يشعر أبناؤها جميعا بأنها دولتهم، وأن الطريق إلى مواقع المسؤولية يمر عبر الكفاءة والعمل والنزاهة وخدمة الوطن، وحدها لا عبر شجرة العائلة.
حفظ الله الوطن مرفوع الراية عزيزًا مهابًا وحفظ الله القائد المفدى عبد الله الثاني ابن الحسين وآدام عزه ومُلكه.