عاد من مكة، ولم تمنحه ناقته فرصة للراحة، حتى بلغه أن فلسطين تُسلب، وأن القدس تستغيث، فكان الرد بلا تردد: «لبيك.. لبيك»، كما تروي الرواية، ثم ختم كلماته بعبارة بدوية تختصر الموقف كله: «وأنا أخو خضرا».
إنه الشهيد علي الغافل الشاهين، ابن مأدبا، الذي استشهد عام 1948 على أسوار القدس، تاركًا وراءه سيرة رجلٍ بدوي أصيل، حمل في ملامحه معنى الرجولة، وفي موقفه عنوانًا للإقدام والشجاعة.
في ذلك الزمن، لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي ولا وسائل سريعة لنقل الأخبار. كان الخبر يصل على ظهور الخيل والإبل، أو عبر الرجال الذين يحملون الرسائل من مكان إلى آخر. ومع ذلك، لم تكن المسافة ولا مشقة السفر عذرًا أمام من رأى أن فلسطين والقدس تناديان أبناء الأمة.
كان بإمكان علي الشاهين أن يقول: لقد عدت من الحج، وأديت فريضتي، وسأرتاح بعد رحلة شاقة، لكن قلبه اختار طريقًا آخر؛ طريق القدس.
ترك الأهل والزوجة والولد، وانطلق من مأدبا نحو فلسطين، لا بحثًا عن مغنم، ولا طلبًا لذكرٍ أو شهرة، وإنما دفاعًا عن الأرض والعِرض والمقدسات.
وكان من عادات البدو أن يذكر الرجل أرحامه وعشيرته عند المواقف الصعبة، تثبيتًا للعهد وإظهارًا للشجاعة، فجاءت عبارته «وأنا أخو خضرا» شاهدة على موقف رجلٍ يعرف معنى الكلمة والوعد.
لقد أظهر اسم علي الشاهين حضورًا في سجلات القدس، فيما بقيت قصص أخرى لشهداء من مأدبا وفلسطين بحاجة إلى مزيد من التوثيق، خصوصًا أن عددًا من الروايات المتداولة وصل من شهود عيان ومن أبناء فلسطين أنفسهم، متحدثة عن رجالٍ من مأدبا قاتلوا واستبسلوا وواجهوا أهوال الحرب دفاعًا عن فلسطين.
إن قصة الشهيد علي الغافل الشاهين ليست مجرد حكاية رجلٍ استشهد في القدس، بل صفحة من صفحات تاريخ مأدبا ورجالها الذين حملوا همّ فلسطين، ولم تكن المسافات ولا مشقة السفر تحول بينهم وبين أداء واجبهم.
رحم الله الشهيد علي الغافل الشاهين، وتقبله عنده شهيدًا، وحفظ سيرته في ذاكرة الأجيال، لتبقى مأدبا تروي بفخر حكايات رجالها الذين تركوا بصماتهم على أرض فلسطين.