نظّم منتدى الوسطية للفكر والثقافة – فرع جرش، بالتعاون مع رواق جرش للثقافة والتراث، وبتنظيم من لجنة المرأة، اليوم السبت، محاضرة بعنوان «النساء الريفيات نحو مستقبل أفضل»، قدمتها الأستاذة تمارا العزام، بحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والمجتمعي والنسائي، وذلك في قاعة المنتدى.
وأدار اللقاء المحامي كامل القادري، فيما استهل رئيس رواق جرش للثقافة والتراث أحمد الصمادي اللقاء بكلمة ترحيبية، رحب خلالها بالحضور والمحاضرة، مؤكداً أهمية مثل هذه اللقاءات في تعزيز الوعي الثقافي والمجتمعي وفتح مساحات للحوار وتبادل الخبرات.
وفي تقديمه للمحاضرة، أشار القادري إلى المسيرة العلمية والتدريبية للأستاذة تمارا العزام، الحاصلة على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبكالوريوس في العلوم السياسية، إلى جانب خبرتها في مجالات تنمية الذات والقيادة والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي وتمكين المرأة والشباب.
وأكد أن المرأة الريفية كانت وما تزال شريكاً أساسياً في بناء الأسرة والمجتمع، وتسهم في الزراعة والإنتاج والحفاظ على التراث والعادات، وتؤدي دوراً مهماً في تربية الأجيال، مشيراً إلى أن عملها وإنتاجها يمكن أن يساهما في تحسين مستوى معيشة الأسرة والمجتمع.
من جانبها، أكدت العزام أن الحديث عن المرأة الريفية لا ينبغي أن ينطلق من مفهوم المنافسة مع الرجل، وإنما من مبدأ التكامل والشراكة، مشيرة إلى أن دور المرأة الأساسي كأم وزوجة وابنة وأخت لا يتعارض مع إمكانية قيامها بأدوار إنتاجية واقتصادية وفكرية ومجتمعية أخرى.
وقالت إن متطلبات الحياة الحالية تستدعي تعزيز مشاركة المرأة في الإنتاج، موضحة أن مفهوم الإنتاج لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، فالمرأة التي تربي أبناءها وتثقفهم وتحافظ على صحتهم وتدير شؤون أسرتها هي أيضاً امرأة منتجة تسهم في بناء المجتمع.
وتناولت العزام مفهوم الريف، موضحة أنه لا يقتصر على كونه منطقة خارج المدن، بل يرتبط بأبعاد جغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية، مشيرة إلى أن المجتمعات الريفية تتميز بترابطها الاجتماعي وتمسكها بالعائلة الممتدة، إلى جانب ارتباطها بالأرض والزراعة والحرف والموروث الشعبي.
وأكدت أن المرأة الريفية لم تعد محصورة في صورة المزارعة أو صاحبة الحرفة التقليدية، بل أصبحت معلّمة ومهندسة وشاعرة ورائدة أعمال وصاحبة مشاريع رقمية وإنتاجية، وقادرة على ترك بصمة واضحة في مجتمعها وعلى المستوى الوطني.
وأشارت إلى أن المرأة الريفية تمتلك موارد ومقومات يمكن تحويلها إلى فرص حقيقية، مؤكدة أن الكثير من المنتجات والمشاريع الريفية في محافظة جرش استطاعت أن تحقق حضوراً لافتاً، وأن بعضها تجاوز نطاق المحافظة ووصل إلى أسواق أوسع.
وشددت العزام على ضرورة الانتقال من السؤال التقليدي «ماذا سنقدم للمرأة الريفية؟» إلى سؤال أكثر أهمية وهو: «ماذا يمكن أن تصنع المرأة الريفية إذا امتلكت الفرصة المناسبة؟»، مؤكدة أن التحدي في كثير من الأحيان لا يكمن في قدرات المرأة، وإنما في البيئة المحيطة بها ومدى قدرتها على توفير الفرص والأسواق والدعم المستدام.
ودعت إلى تجاوز مرحلة التدريب والتمكين التقليدي إلى مرحلة التطبيق والمتابعة، بحيث لا تنتهي مسؤولية الجهات الداعمة بمجرد تقديم دورة تدريبية أو منحة، وإنما تمتد إلى مرافقة المرأة ومساعدتها في الوصول إلى الأسواق وتطوير منتجاتها وتحويل أفكارها إلى مشاريع مستدامة.
كما ركزت على أهمية دراسة السوق قبل الإنتاج، مبينة أن تدريب المرأة على صناعة منتج دون دراسة احتياجات السوق قد يؤدي إلى تراكم المنتجات وعدم قدرة صاحبتها على تسويقها، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على ثقتها بقدراتها.
وضربت مثالاً بالمنتجات الغذائية الريفية، ومنها اللبنة الجرشية، موضحة أن نجاح المنتج لا يعتمد على جودته فقط، وإنما على اختيار السوق المناسب والتسويق الصحيح ومعرفة الكلفة التشغيلية والفئة المستهدفة.
وأكدت أهمية بناء العلامة التجارية للمنتجات الريفية، والاستفادة من القصص المرتبطة بالمنتج والمكان والهوية، مشيرة إلى أن المستهلك الحديث يبحث إلى جانب جودة المنتج عن القصة والقيمة والارتباط العاطفي، وهو ما يمكن توظيفه في التسويق الرقمي والإعلامي.
كما شددت على ضرورة تسليط الضوء على الكنوز الطبيعية والثقافية التي تمتلكها محافظة جرش ومناطقها الريفية، والاستفادة من التكنولوجيا والمنصات الرقمية في التعريف بها وتسويقها محلياً وعربياً وعالمياً.
ودعت إلى الانتقال من مفهوم الدعم والمساعدة إلى الاستثمار والشراكة، ومن تقديم المنح إلى بناء أسواق دائمة، ومن التدريب النظري إلى التطبيق العملي والمتابعة المستمرة، بما يضمن للمرأة الريفية أن تصبح شريكاً حقيقياً في التنمية والإنتاج.
وأكدت العزام أهمية بناء بيئة محفزة تبدأ من الأسرة، من خلال إيمان الأب والزوج والأبناء بقدرات المرأة ودورها، مشيرة إلى أن مشاركة المرأة في الحياة العامة لا تعني التخلي عن دورها الأسري، بل يمكن أن تشكل إضافة إلى هذا الدور عندما تتوفر الظروف المناسبة.
كما شددت على أهمية الحفاظ على القيم الدينية والاجتماعية والعادات والتقاليد والموروث الثقافي، باعتبارها جزءاً من الهوية والسردية الوطنية للمجتمع الأردني.
وفي ختام حديثها، أكدت أن المرأة الريفية ليست بحاجة إلى نظرة شفقة أو عطف، وإنما إلى الاعتراف بقيمتها وقدرتها على الإنتاج والعطاء، وإلى بيئة تتيح لها الوصول إلى السوق والإعلام والتكنولوجيا والفرص الاستثمارية.
وشهد اللقاء حواراً موسعاً مع الحضور، تناول عدداً من القضايا المتعلقة بالمرأة الريفية والمنتجات المحلية والتسويق وفرص العمل والتمكين الاقتصادي، إضافة إلى أهمية دور الإعلام والمنصات الرقمية في إبراز قصص النجاح والمشاريع الريفية، وتعزيز حضور المرأة والشباب في مسيرة التنمية.
وأكد المشاركون أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات والحوارات التي تسهم في مناقشة قضايا المجتمع المحلي، وتقديم الأفكار والمقترحات العملية التي من شأنها دعم المرأة الريفية وتعزيز دورها كشريك فاعل في التنمية وبناء المستقبل.