تاريخ الوطن لم يُكتب بمداد الحبر بل بدماء الأحرار وعرق الشرفاء الذين سطروا ببطولاتهم ملاحم كبرياء تدوم وتتجدد منذ فجر التاريخ وأثبتت الأرض الأردنية المباركة أن الوطن لا يعقم أبدًا وأن كل تضحية وقطرة دم تقدم في ميادين الشرف والفداء لا تذهب سدى بل تلد في كل مرة أجيالاً أشد صلابة وضراوة وأعمق إنتماءً وأكثر إصرارًا على صون الكرامة وحماية الحمى.
دوما يبرز اسم دولة وصفي التل والمشير حابس المجالي في محاضراتنا وحواراتنا واحاديثنا اليومي علاوة على سجل الوطن الحافل بالتضحيات كقمم شاهقة وتيجان فخر لكنهما في الحقيقة لم يكونا نباتًا في متوحدان صحراء جرداء بل هما فرعان أصيلان تفرعا من جبل أردني عظيم شامخ يضم تحت ظلاله آلاف الشرفاء والفرسان يحملون ذات المبدأ والنهج وربما أكثر شدة لكن بسبب مواقع مسؤوليتهم المتواضعة أو ظروفها لم يحضوا بذات الهالة ولهذا جسدت العشائر الأردنية عبر التاريخ الممتد نموذجًا فريدًا وضاربًا في جذور التاريخ للارتباط العميق بين الإنسان والأرض فلم تكن العشيرة يومًا إلا حصنًا للوطن ومدرسة للقيم والمبادئ ورافد متجدد للابطال والعظماء ومن هذه المدارس الأصيلة أنجبت الماجدات الأردنيات على الدوام رجالاً أحراراً حملوا همّ الوطن على أكتافهم ورفعوا رايته خفاقة في سماء المجد.
إن غياب الرموز الوطنية الكبرى برحيل أجسادهم لا يعني قط انطفاء جذوة النضال أو تراجع العزيمة بل هو تأكيد مستمر على أن رحم الحرائر الأردنيات ولود بالنشامى لا ينضب ولن يتوقف عن العطاء فدماء الأحرار هي المشتل الحقيقي الذي يورق دوماً كرامة وعزة ورفعة وشموخ وكبرياء ويثمر في كل جيل رجالاً يمشون على ذات الدرب قابضين على جمر المبادئ لا يلينون ولا يساومون.
وإذ يُعد دولة وصفي التل والمشير حابس المجالي ودولة هزاع المجالي الرموز الأكثر ذكراً وحضوراً في الوجدان الجمعي الأردني إلا أن التاريخ والإنصاف يوجبان القول بأنهم لا يزيدون بحب الوطن وشرافة اليد وقول الحق والشجاعة الثابتة في وجه التحديات والتضحية وحماية حمى الوطن عن مواكب أبطال وقادة قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الأردن وفلسطين وقضايا الأمة العربية فهم يتقاسمون ذات الشرف وذات البطولة مع شهداء البر والبحر والجو كالبطل الرائد الطيار فراس العجلوني الذي اقسم على الانتقام لصديقة الملازم أول طيار موفق السلطي فأنفذ قسمه وانتقم أشد الانتقام الا ان القدر شاء أن يسير على خطى صاحبه بفترة قريبه جدا ولا نغفل عن ذكر العميد سعود مغصوب صوت الحق الذي صدق الحسين طيب الله ثراه النصح وصدقه الحسين التقدير والاهتمام ولا نغفل عن أسد لبوا نداء الوطن بذروة راحتهم ووسط دفء عوائلهم فاقتطعوا إجازاتهم ليتسابقوا لتلبية نداء الواجب ثم يلتحقوا بركب كواكب الشهداء مثل الرائد أحمد هارون النصرات واسد القلعة العقيد سائد المعايطه .
أما أحداث استشهاد الملازم أول خضر شكري الذي لا زال صوته شاهدا على بطولته الاستثنائية شاهد حي وهو يزأر معطيا احداثيات موقعه فجاد بروحه وارواح وزملاءه في سبيل ان لا يتقدم العدو وتكون له الغلبة وبالفعل غير هؤلاء الأبطال الذين واجهوا الموت بصدور عارية وابتسامات واثقة نتيجة المعركه فصانوا العهد وحفظوا الأمانة هذه مجرد نخبة من ابطال الوطن الذي يصعب حصرهم في مقال أو كتاب لجزيل عطائهم وتضحياتهم .
وإذا كان حابس ووصفي وهزاع قد نالوا الشهرة الأوسع وكانوا الأبرز في الذاكرة اليومية بحكم مناصبهم العالية ومواقعهم القيادية في الدولة التي أتاحت لبطولاتهم وحكمتهم ومواقفهم أن تظهر وتُسجل في أنصع صفحات التاريخ فإن الوطن يعج بمئات الألوف من الأردنيين والأردنيات ممن يحملون صفاتهم بل وربما أكثر.
إنهم أولئك الجنود المجهولون في شتى الميادين القابضون على جمر الوطن ويعانون أشد المعاناة في سبيلهڜس ويكابدون قسوة الظروف دون صخب أو بحث عن أضواء لكن لم تتاح لهم الفرصة والمساحة والمناصب التي أتيحت لهزاع وحابس ووصفي لكي يبرزوا وتُخلد أسماؤهم في واجهة المشهد
ويبقى الأردن برحمه الولود وبأرضه المعطاءة عصياً على الانكسار فكلما ترجل فارس نبت من تراب هذه الأرض ألف فارس يحمل الراية ويمضي بها نحو العلياء لتظل رموز الوطن باقية تتجدد في تفاصيل حياتنا ولتظل دماء الشهداء وتضحيات الشرفاء منارة تضيء طريق المستقبل لأجيال لن ترضى بغير المجد والكرامة بدلاً وتبقى عشائرنا في البوادي والقرى ونسيجنا الوطني الناصع في المدن رموز للعزة والفداء الوطني والسمو للعلياء بقيادته الهاشمية ذات الإرث الديني والعروبي والأخلاقي لعرش منفرد تاريخيا وعالميا أنه بني بالقلوب لا بالدماء حفظ الله اردننا الحبيب تحت ظل حكم القلوب جلالة الملك عبدالله الثاني الحسين حفظه الله ورعاه و ولي عهده المعظم .