خاص نيروز : نظمت وزارة الثقافة وضمن فعاليات أيام الموقر الثقافية 2026 برعاية عميدها الدّكتور محمد القضاة أمس ندوةً ثقافيّةً بعُنوان "السّرديّة الأردنيّة"، تحدَّث فيها كلٌّ من المؤرّخ والباحث الدّكتور بكر خازر المجالي، ورئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها في الكليّةِ الدّكتور معاذ الزعبي، وعميد كلية الآداب الأستاذ الدكتور محمد القضاة، وذلك وفي سياق الفعاليات الثّقافيّة التي تنفِّذها وزارة الثقافة بالتّعاون مع الجامعة الأردنية، بِما يعزّز من حضورها بوصفها فضاءً مفتوحًا للحوار الثّقافي، ويفسحُ المجال للوقوف على القضايا الوطنيّة ومناقشتها من منظورٍ أكاديميٍّ ومعرفي.
وقد قدم الحاضرون شكرهم وتقديرهم لوزارة الثقافة ممثلة بمدير المركز الثقافي الملكي عطوفة الدكتور وصفي الطويل، وتناولتِ الندوة في محاورها مفهوم السّرديّة الأردنيّة في لواء الموقر بوصفها إطارًا وطنيًّا ومعرفيًّا يستند إلى جملةٍ من المرتكزات التّاريخيّة والدينيّة والوطنيّة، ويُسهم في إعادة إنتاج الهُويّة الوطنيّة الأردنيّة وترسيخ مرجعياتها الفكريّة والتّاريخيّة، بِما يعزّز الوعي بالماضي ودوره في فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
واستهلّت الندوة بكلمةٍ ألقاها عميد كلية الآداب الأستاذ الدكتور محمد القضاة، رحَّب فيها بالحضور من أعضاء الهيئتَين التّدريسيّة والإداريّة والطّلبة والمهتمّين، مؤكّدًا ضرورة الاهتمام بالسّرديّة الأردنيّة والتعريف بها للأجيال الحديثة، بِما يرسِّخ وعيها بتاريخ وطنها، ويعزّز انتماءها وفهمها للمرجعيات والقيم التي تشكَّلت عبر مَسيرة الدّولة الأردنيّة، ويمنح الأجيال القدرة على قراءة حاضرها في ضوء تاريخها واستشراف مستقبلها بثقةٍ ووعي.
ونوَّه إلى أنّ أيام الموقر الثقافية 2026 معنيّة بالإسهام في قراءة السّرديّة الوطنيّة وتحليل مرتكزاتها، وإتاحة المجال أمام الباحثين والأكاديميّين والطّلبة للحوار حولها، بِما يجعل من الجامعة شريكًا في حفظ الذّاكرة الوطنيّة وإنتاج المعرفة المرتبطة بها، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الأردنّ وتجرِبته ومَسيرته.
وخلال الندوة؛ عرضَ المؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي (أحد أبرز أعضاء مجلس أمناء مركز التوثيق الملكي في الديوان الملكي الهاشمي العامر) وهو صاحب الإسهامات الواسعة في تحليل السّرديّة الوطنيّة الأردنيّة والدفاع عنها، مفهومَ السّرديّة الأردنيّة ومساراتها، لافتًا إلى أنّها تستحضر التاريخ بفروعه المختلفة، وتقوم في أساسها على أربعة مرتكزات هي: الهُويّة الوطنيّة، والعرش الهاشمي، وإنسان هذه الأرض، وأرض هذا الإنسان. وقال: إنّ تاريخ الأردنّ غزيرٌ وغني، ويمتاز بكونه تاريخًا متحرّكًا يتطوّر ويقبل المتغيّرات ويصمد أمام مختلف التّحدّيات، مشيرًا إلى أنّ السّرديّة الأردنيّة هي سردية الثبات في الموقف والاستجابة الإيجابيّة للطوارئ مهما تعددت مستويات صعوبتها.
وأكَّد المجالي أنّ الغوص في عمق السّرديّات يستوجب الاستناد إلى معايير أساسيّة هي الشّفافية والعقلانيّة والمصداقيّة والجرأة، والابتعاد عن تجميل المصائب والأخطاء بالتبرير المغلوط، مبيّنًا عددًا من النماذج التي يمكن تناولها ضمن السّرديّة الأردنيّة، منها معركة الكرامة، والموقف الأردنيّ من حرب الخليج، ووحدة الضفّتين، وفكّ الارتباط، وسرديّة الرّاية الأردنيّة والشعار ورايات جلالة الملك، مختتمًا حديثه بالتأكيد على أنّ السّرديّة الأردنيّة هي في جوهرها "سرديّة القيادة والشعب والجيش".
في حين، قال الزّعبي: إنّ السّرديّة الأردنيّة تمثِّل اليوم تجلّيًا للثوابت الوطنيّة أمام الأجيال الحالية، وتضطلع بدورٍ مهمٍّ في تعريفها بجوهر التّجرِبة الأردنيّة وما راكمته الدّولة من مواقف وثوابت عبر مَسيرتها، مؤكّدًا أهميّة أن تتحوّل السّرديّة الوطنيّة إلى معرفةٍ حيةٍ حاضرةٍ في وعي الأجيال، لا أن تبقى حبيسة الكتب والوثائق، بِما يتيحُ قراءة التاريخ والاستفادة منه في بناء وعي وطنيّ راسخ.
وشدَّد الزّعبي على ضرورة أن تشترك جميع مكونات المجتمع في صياغة السّرديّة الأردنيّة، باعتبارها مسؤوليّة وطنيّة ومعرفيّة لا تنحصر في مؤسّسةٍ أو جهةٍ بعينها، منوّهًا إلى أنّ الأردنّ ثابت في مواقفه إزاء التّغيّرات والتّحوّلات التي تمرُّ بها المنطقة، وهو ما ينبغي أن يحضر في السّرديّة الوطنيّة باعتباره جزءًا من تجرِبة الدّولة ومواقفها ومرجعياتها، الأمر الذي من شأنه ترسيخ صورة الأردنّ وثوابته لدى الأجيال الحالية والقادمة.
وخلال إدارته للندوة، أشار عنبر إلى أنّ السّرديّة الأردنيّة تستند في أحد أبرز مرتكزاتها إلى الشرعيّة التّاريخيّة والدينيّة التي تقوم عليها الدّولة الأردنيّة، وفي مقدِّمتها القيادة الهاشميّة والنّسب النبوي الشريف، مستحضرًا الدّور التاريخي للهاشميّين في قيادة الثّورة العربيّة الكُبرى وما أسّسته من مشروعٍ للنهضة العربيّة وتطلعاتٍ إلى بناء مشروع عربيّ قائم على الحرية والوحدة والنهضة. وأوضح عنبر أنّ بناء السّرديّة الوطنيّة يتطلّب قراءة التّجرِبة الأردنيّة قراءة واعية ضمن سياقاتها العربيّة والإسلاميّة والتّاريخيّة، والاستناد إلى مرتكزات الخطاب الأردنيّ المتمثّلة في الشرعيّة الدستوريّة والهاشميّة، والوحدة الوطنيّة، وسيادة القانون، والانتماء العربي والإسلامي، والدفاع عن القضية الفلسطينيّة، والاعتدال والاستقرار، بِما يعزّز صورة الأردن ودوره وثوابته في الوعي الجمعي.
واختُتمت الندوة بحوارٍ موسّع، تبادل خلاله الحضور والمتحدّثون عددًا من الموضوعات المتعلّقة بالسّرديّة الأردنيّة، وسُبل الحفاظ عليها وتوثيقها وإتاحتها للأجيال، إلى جانب أهميّة مواصلة البحث الأكاديمي في مكوّناتها ومرجعياتها، بِما يُسهم في بناء وعيٍ وطنيٍّ قادرٍ على قراءة التّجرِبة الأردنيّة في سياقها التّاريخي، وفهم تحوّلات الحاضر واستشراف المستقبل.