بين فرحة الأهل بقطف ثمار جهود أبنائهم الناجحين في امتحانات الثانوية العامة في مملكتنا الحبيبة، تقف المنظومة التعليمية برمتها أمام محطة تقييم واسعة تتطلب وقفة جادة ومسؤولة. لقد شهد نظام الثانوية العامة في الأردن في السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من التعديلات الجذرية التي أربكت المشهد التربوي، فبعد أن كان النظام مستقراً على نظام الفصلين الدراسيين لمواد محددة، مقسماً بوضوح بين الفروع الأكاديمية والمهنية المعهودة كالفرع العلمي والأدبي والصناعي والزراعي، انتقل القرار إلى نظام السنة الواحدة حيث تُقدم جميع المباحث في نهاية العام. وما إن استقر في أذهان الطلبة والأهالي ذلك النمط، حتى طرأ تغيير آخر بالانتقال إلى نظام السنتين المقسم على حقول جديدة مثل الحقل الصحي، حقل الهندسة، حقل الإدارة، وغيرها من الحقول المستحدثة التي صُممت لهندسة المسار الأكاديمي المبكر.
إلا أن التطبيق العملي لهذا النظام أفرز العديد من الملاحظات الجوهرية والثغرات التنظيمية التي أثقلت كاهل الطلبة وأسرهم، وأبرزها غياب المنطق التربوي في توزيع الأوزان النسبية للعلامات؛ إذ يُخصص لأربعة مباحث في السنة الأولى نسبة ضئيلة لا تتجاوز ثلاثين علامة من المعدل التراكمي، بينما تلقى ثقل المسؤولية على أربعة مباحث أخرى في السنة الثانية لتحوز على سبعين علامة كاملة، مما يحول العام الأول إلى مرحلة توتر غير مبررة. إلى جانب ذلك، اصطدم أهالي الطلبة بتخبط واضح في قرارات القبول وتوجيهات الحقول، حيث اتجه أعداد هائلة من الطلبة نحو الحقل الصحي نظراً لبريق التخصصات الطبية، لتنتهي الأماني باكتظاظ غير مسبوق في هذا المسار دون دراسة حقيقية لقدرة الجامعات الرسمية الاستيعابية. فقد فوجئ المجتمع بأن مخرجات هذا الحقل أفرزت أعداداً هائلة من الحاصلين على معدلات فائقة تؤهلهم قانونياً وموضوعياً لدخول كليات الطب وطب الأسنان، في حين أن المقاعد المجانية والمتاحة في الجامعات الرسمية لا تتجاوز حدود 641 مقعداً فحسب.
هذا التناقض الصارخ بين عدد المتفوقين والسعة الاستيعابية اضطر آلاف الأسر الأردنية إلى مواجهة أعباء مالية باهظة، إما باللجوء إلى النظام الموازي في الجامعات المحلية أو إرسال أبنائهم لدراسة الطب في جامعات خاصة داخل الوطن وخارجه، متكبدين ديوناً وتكاليف مضاعفة. وفي المقابل، نجد حقولاً أخرى كحقل الإدارة تعاني من ضعف الإقبال أو عدم ملاءمة مخرجاتها لاحتياجات سوق العمل الفعلي، فضلاً عن وقوع قطاع واسع من الطلبة في حيرة وجهل عند اختيار المقررات المشتركة بين الحقول الهندسية والصحية، نتيجة غياب الإرشاد الأكاديمي المحترف في المدارس. ول