بقلم: الدكتور محمد سلمان المعايعة الأزايدة/ أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية.
تُشكل السردية الوطنية لأي دولة الإطار الفكري والثقافي الذي يفسر فلسفة نشأتها، ويُحدد جوهر دورها الإقليمي والدولي؛ فالأمم التي لا تُنتج معرفتها ولا تروي قصتها للعالم بلسانها، ستُجبر قسرًا على استهلاك ما يرويه الآخرون عنها. وفي خضم التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها المنطقة العربية، برزت الحاجة إلى فهم السرديات الوطنية بوصفها منظومات معرفية تؤسس للهوية الجماعية وتحدد موقع الدولة في محيطها الحضاري.
وفي هذا الفضاء الفكري، يبرز البعد القومي كأكثر الركائز توهجًا وصلابة في السردية الوطنية الأردنية؛ فهو ليس مجرد تدوين تاريخي لمواقف الأردن بقيادة ملوك بني هاشم، بل هو الفلسفة الأخلاقية والسياسية التي قادت تشكيل الدولة ورسّخت مفهوم الكرامة والصمود عبر التاريخ.
ولتفكيك مفهوم البعد القومي في السردية الأردنية، نقرأه من خلال المحطات المضيئة في مسيرة الدولة الأردنية الهاشمية، التي أشرقت شمسها بوصول الهاشميين إلى عمّان؛ ليشكل ذلك الوصول فجرًا جديدًا كإطلالة الربيع، مُطلقًا مسيرة حافلة بالإنجازات الحضارية والثقافية والإنسانية... ومن هذه المحطات المضيئة التي شكلت إشراقة مسيرة الدولة الأردنية:
أولاً: الجذور التأسيسية والعقيدة العروبية
انبثقت الفلسفة الأردنية من رحم مشروع عروبي شامل لم يقبل الانكفاء على الذات، بل اتخذ من النهضة مرجعية ومن العروبة جينات تكوين. فمنذ انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916، ظل الأردن يحمل رؤية تعتبر العروبة فضاءً حضاريًا جامعًا، وترى في الوطنية الأردنية أداة لبناء الدولة وخدمة قضايا الأمة في آن واحد.
وقد تجلّى هذا البعد مبكرًا في التشكل الديموغرافي والمؤسسي للدولة؛ فلم تُبنَ مؤسسات الأردن الأولى بأيدٍ محلية فحسب، بل كانت حاضنة لنخبة تأسيسية ضمت رجالات ومفكرين وسياسيين من سوريا وفلسطين والحجاز والعراق. عمل هؤلاء بروح الفريق الواحد لبناء دولة النهضة، ليتشكل النظام الجيني للدولة الأردنية باعتبارها منطلقًا للدفاع عن الأمة لا بديلًا عنها.
ثانياً: عقيدة الجيش العربي.. حارس الهوية ودرع الأمة
لم يقف المسار التاريخي للرسالة القومية عند حدود التنظير الفكري، بل تجسد عملياً في عقيدة الجيش العربي. يحمل هذا الجيش اسمه كدلالة رمزية وعملية فائقة الأهمية؛ فلم يكن مجرد تشكيل دفاعي يحمي الحدود بالبندقية، بل كان المصنع الأول للهوية الوطنية والبوتقة الجامعة التي صهرت المكونات كافة في وجدان واحد.
امتزجت دماء شهداء الجيش العربي الزكية بأسوار القدس وفي اللطرون وباب الواد والكرامة دفاعًا عن الحق العربي. وفي أوقات السلم الإقليمي، تحول الجيش إلى رسول إغاثة وسلام، يُقدم يد العون الإنساني في غزة وشتى بقاع العالم، مجسدًا النموذج الأخلاقي للدولة.
ثالثاً: فلسطين والقدس.. الأمانة الهاشمية والبوصلة الثابتة
في قلب السردية الأردنية، تتجلى القضية الفلسطينية بوصفها البوصلة التي لم تحرفها التحديات، والواجب التاريخي الممتد عبر العقود؛ إذ تشكلت العلاقة الأردنية الفلسطينية عبر تداخلات تاريخية واجتماعية وإنسانية جعلت القضية جزءًا من الوعي والأمن الوطني الأردني، وليست مجرد ملف في السياسة الخارجية.
ويرى الأردن أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة هو مصلحة وطنية أردنية عليا بقدر ما هو حق فلسطيني عادل. ويبرز هذا التلاحم عبر خط الدفاع الأول الذي تشكله الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وهو دور قومي إنساني يتحمله الأردن نيابة عن الأمة لمنع تصفية القضية أو تهويد إرثها الحضاري.
رابعاً: أخلاقيات الدولة.. مفهوم الأنصار والتكامل العربي
فرض الموقع الجيوسياسي للأردن أن يكون ملاذًا آمنًا وصمام أمان للأمن القومي العربي. وعبر عقود من الأزمات، تجسد البعد القومي بتحول الأردن إلى دولة المأوى، حيث أدار ملفات اللجوء المتعاقبة الفلسطيني، العراقي، السوري بروح الأنصار والأخوة، لا بمنطق الحسابات الاقتصادية الضيقة أو المخيمات المغلقة.
ولم تقتصر السردية على البعد الإنساني، بل امتدت لحماية الوعي ومواجهة التطرف عبر تقديم الفهم الحضاري للعروبة والوسطية الإسلامية كما تجسد في رسالة عمّان. كما تجدد المفهوم القومي عبر الانتقال من الشعارات العاطفية إلى مشروعات التكامل الاقتصادي الإقليمي كالتعاون الثلاثي بين الأردن ومصر والعراق، إيمانًا بأن الأمن القومي الشامل يُبنى على مصالح الشعوب والتنمية المستدامة.
خامساً: الرؤية الملكية والمنعة الوطنية كمشروع قومي
توجت الرؤية الملكية الهاشمية في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني أبعاد السردية الوطنية بنقلها إلى آفاق العصرنة والتمكين. فقد تبنّى جلالته معادلة استراتيجية مفادها أن الأردن القوي هو القوة لأمته، لتصبح مسارات التحديث الثلاثة السياسية، الاقتصادية، والإدارية مشروعًا قوميًا بامتياز...
إن تمكين الجبهة الداخلية والاعتماد على الذات هما الدرع الحقيقي لحماية القرار الوطني المستقل في الدفاع عن القضايا العربية. وقد خاض الأردن في هذا العهد معارك دبلوماسية شرسة تثبيتًا لخيار حل الدولتين، ورفضًا للتهجير والحلول الأحادية، ليكون الصوت العربي الأكثر فاعلية وحضورًا.
ختاماً. رمزية الوفاء وفلسفة القفل والمفتاح..
تتجلى رمزية الوفاء الوطنية في المعادلة الأردنية عبر مقولة اخترتها:
"كن وفياً كالقفل؛ قد ينكسر تحت وطأة الزمن، لكنه لا يبدّل مفتاحه أبدًا."
يُعبّر المفتاح عن الثوابت القومية والرسالة الهاشمية العصيّين على المساومة، بينما يُمثّل القفل صلابة الجبهة الوطنية ومؤسسات الدولة التي رغم ما تكابده من ضغوط اقتصادية وشح في الموارد وموجات لجوء تُؤثر الصمود وتحمّل العواصف على أن تُفرّط في مفتاح عقيدتها أو تستبدله بإغراءات سياسية أو حلول مؤقتة.
إن البعد القومي في الفكر السياسي الأردني والنهج الهاشمي لم يكن يوماً ترفاً فكرياً ولا مناورة سياسية، بل هو فلسفة وجود وعقيدة وفاء؛ ليظل هذا الوطن بجيشه المظفر، وجبهته الموحدة، وقيادته الهاشمية، حصن العروبة المنيع وصوت حكمتها الشامخ.
حفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية، ووعي شعبه الأصيل، ويقظة جيشه الباسل من كل مكروه، تحت ظل راية جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم؛ أيده الله، وسدد خطاه، وأعز ملكه.