تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة من القراءات التحليلية في الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، والتي تمثل مشروعاً وطنياً متكاملاً للإصلاح السياسي والدستوري، يهدف إلى ترسيخ ثقافة الدولة الديمقراطية الحديثة، وتعزيز الوعي بأحكام الدستور، وإعادة تعريف أدوار المواطن ومؤسسات الدولة في مسيرة الإصلاح. وفي المقالة السابقة تناولت الورقة النقاشية الأولى بعنوان "مسيرتنا نحو بناء الديمقراطية المتجددة " والتي ركزت على بناء ثقافة المواطنة الفاعلة، والحوار، واحترام الرأي الآخر، والمسؤولية الوطنية. أما في الورقة النقاشية الثانية " تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين " فإن جلالة الملك ينتقل من بناء الإنسان الديمقراطي إلى بناء الدولة الديمقراطية، ليؤكد أن نجاح الإصلاح لا يتحقق بترسيخ القيم وحدها، وإنما ببناء مؤسسات دستورية قادرة على تحويل تلك القيم إلى ممارسة سياسية راسخة.
ولهذا يبدأ جلالة الملك من الدستور، لا بوصفه وثيقة قانونية جامدة، وإنما باعتباره الإطار الذي انتظمت داخله الحياة السياسية الأردنية منذ تأسيس الدولة. فحين يؤكد أن الدستور شكّل أساس خيارات الدولة وقراراتها، فإنه يرسخ حقيقة دستورية مفادها أن الإصلاح في الأردن لا يقوم على القطيعة مع مؤسسات الدولة، وإنما على تطويرها والبناء على ما تحقق فيها. وهنا تتجلى فلسفة المادة (1) من الدستور الأردني التي نصت على أن ".. ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي" فهذا النص لا يحدد شكل نظام الحكم فحسب، بل يفتح المجال أمام تطوير الممارسة النيابية بما ينسجم مع نضج التجربة السياسية، وهو ما سعت إليه الرؤية الملكية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن احتفاء جلالة الملك بالتعديلات الدستورية الأخيرة لأنها عُدلت فحسب، وإنما لأنها عززت الفصل والتوازن بين السلطات، ورسخت استقلال القضاء، وصانت حقوق المواطنين، وأنشأت المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب. وهي جميعها تطبيقات عملية للمواد (25) و(26) و(27) من الدستور، التي أناطت السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك، والسلطة التنفيذية بالملك ووزرائه، وأكدت استقلال السلطة القضائية. غير أن القراءة الملكية لهذه النصوص تتجاوز حدود توزيع الاختصاصات، لتؤسس لفلسفة تقوم على التوازن، والرقابة المتبادلة، ومنع تغول أي سلطة على الأخرى، باعتبار ذلك الضمانة الحقيقية لدولة القانون.
ومن هنا ينتقل جلالة الملك إلى واحدة من أهم محطات الإصلاح السياسي، وهي الحكومات البرلمانية. فالورقة لا تقدمها كشعار سياسي، ولا كتحول شكلي في آلية تشكيل الحكومات، وإنما كنتيجة طبيعية لتطور النظام النيابي. وهنا يتقاطع هذا الطرح مع المادة (24/1) من الدستور التي نصت على أن" الأمة مصدر السلطات" فمصدرية الأمة لا تكتمل بمجرد انتخاب مجلس النواب، وإنما عندما تنعكس الإرادة الشعبية على تشكيل الحكومات، وتوجيه السياسات العامة، وخضوع السلطة التنفيذية للمساءلة السياسية أمام ممثلي الشعب.
إلا أن جلالة الملك، وبواقعية لافتة، لا يقدم الحكومات البرلمانية باعتبارها قراراً يمكن إنجازه بين ليلة وضحاها، بل مشروعاً وطنياً يحتاج إلى بيئة سياسية ناضجة. ولهذا شدد على ضرورة وجود أحزاب وطنية برامجية، وهو ما ينسجم مع المادة (16/2) من الدستور التي كفلت للأردنيين حق تأليف الأحزاب السياسية. فالأحزاب في الرؤية الملكية، ليست أدوات انتخابية مؤقتة، وإنما مؤسسات وطنية تصنع القيادات، وتطرح البرامج، وتؤسس لائتلافات قادرة على تحمل مسؤولية الحكم، بعيداً عن الفردية والمصالح الضيقة.
غير أن نجاح هذا التحول، كما تؤكد الورقة، لا يتوقف عند الأحزاب أو البرلمان وحدهما، بل يمتد إلى الجهاز الحكومي نفسه، الذي ينبغي أن يبقى مهنياً ومحايداً، يحتفظ بخبرته المؤسسية، ويقدم الدعم لأي حكومة تتشكل وفق الإرادة البرلمانية. كما يمتد إلى مجلس النواب، الذي يحتاج إلى تطوير أعرافه البرلمانية، وإلى المعارضة، التي ينبغي أن تكون شريكاً في الرقابة وتقديم البدائل، لا مجرد طرف يعارض من أجل المعارضة. وهنا يكشف جلالة الملك أن الديمقراطية ليست علاقة بين حكومة وبرلمان فقط، وإنما منظومة متكاملة تتقاسم فيها جميع المؤسسات مسؤولية نجاح التجربة.
ولعل أكثر ما يميز هذه الورقة أنها لا تقدم الإصلاح بوصفه طريقاً خالياً من العقبات، بل تعترف بأن التحول الديمقراطي قد يواجه تحديات وإخفاقات، لكنها تعتبر ذلك جزءاً طبيعياً من تطور الدول. فالخطر الحقيقي، في الرؤية الملكية لا يكمن في الخطأ، وإنما في الجمود، وعدم مراجعة التجربة، والتردد في تصحيح المسار ضمن إطار الدستور وسيادة القانون.
ولهذا، فإن الورقة النقاشية الثانية لا تتحدث عن تطوير آلية تشكيل الحكومات بقدر ما تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي تؤكد أن الديمقراطية ليست إجراءات انتخابية تنتهي بإعلان النتائج، ولا نصوصاً دستورية تُقرأ في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تقوم على المشاركة، والمسؤولية، والمساءلة، وسيادة القانون. ومن هنا تبدو الرسالة الأعمق التي أراد جلالة الملك ترسيخها واضحة؛ فبناء الدولة الحديثة لا يبدأ من تعديل القوانين فحسب، بل من بناء مؤسسات قادرة على ترجمة أحكام الدستور إلى واقع، وتحويل الإرادة الشعبية إلى شراكة حقيقية في صناعة القرار، بما يعزز ثقة المواطن بدولته، ويقود الأردن بثبات نحو مستقبل أكثر رسوخاً ونضجاً.