2026-08-06 - الخميس
النفط يرتفع 3 دولارات مع دراسة إيران حظر عبور سفن أميركية وإسرائيلية مضيق هرمز ذاكرة جرش تستحضر تاريخ المدينة وآثارها وتراثها الشعبي ضمن فعاليات مهرجان جرش الـ40 الأشغال تبدأ السبت أعمال صيانة طريق معان – البادية ضمن عطاء صيانة طرق إقليم الجنوب عوجان يكتب "جلالة الملك اهلا بكم في معان" 3.2 مليون دينار قيمة قروض “الإقراض الزراعي” في المفرق منذ بداية العام الرئيس في زيارة رسمية إلى سلطنة عُمان.. والسفير السعودي يستقبل وفد IMF فلسفة ( حفار ودفان ) في التراث والعرف العشائري الأردني : جذور السلم المجتمعي والطي الجذري للنزاعات الدار آرت جاليري تفتتح معرضها الفني العالمي السابع في مدينة طرابزون في تركيا أنشطة نوعية في مراكز شباب إربد تعزز الوعي البيئي والصحة النفسية لدى الشباب. العراق يستلم 500 مليون دولار من البنك المركزي الأميركي زعل وخضرة – أوف سايد" ترسم البسمة على وجوه جمهور جرش في أمسية مسرحية مميزة الأردن يدين التفجير الإرهابي الذي استهدف حافلة في جرمانا بريف دمشق المواصفات والمقاييس: لا شكاوى بشأن أسطوانات الغاز الجديدة العيسوي ينقل تمنيات الملك وولي العهد بموفور الصحة للفريق العزب واللواء العبادي صدور قانون معدل لقانون الجامعات يخفض عدد أعضاء مجالس الأمناء إلى 10 توقيع اتفاقية تعاون بين الخدمات الطبية الملكية وشركة بيرو فيريتاس (بيفاك) للتقييم الأردن تخريج عدد من الدورات التدريبية المتخصصة في مدينة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين التدريبية الزغيبات يكتب ، الأحزاب السياسية في الأردن ،،، بين التشريع وثقة الشباب "المواصفات": لا خلل في البنزين.. وارتفاع أسعاره وراء "الشعور" بسرعة استهلاكه اللجنة الأولمبية الأردنية تشارك في البرنامج الوطني الصيفي "بصمة" لنشر الثقافة الرياضية وتعزيز القيم الأولمبية
وفاة الشاب محمود عبدالله ناصر (أخو صحينة الهقيش) الحاج المرحوم مخلد محمود السويلميين / أبو بشار في ذمة الله وفاة العلامة والمربي الدكتور عبد الله الخباص في الزرقاء وفاة الأستاذ الدكتور عبدالله الخباص.. علمٌ من أعلام اللغة العربية 13 عاماً على رحيل الشيخ عفاش النوري السطام الفايز.. والذكرى باقية في القلوب وفاة المحافظ السابق اديب عساف ال حصان وفاة السفير الدكتور مالك الطوال الحاج عبدالرحيم المهايرة "أبو أيمن" في ذمة الله الحاجة فاطمة أحمد فاضي الرقاد في ذمة الله محمد فلاح محمد العمري (أبو أشرف) في ذمة الله وفاة خالد محمد أبو كوش (أبو محمد) صاحب الواجب والمعروف ... في ذكرى وفاة المرحوم محمد عليان الجبر "أبو أشرف" وفاة الحاجة ميحه ذيب عقلة الصاروم (أم محمد) القوات المسلحة الأردنية تنعى العميد المتقاعد هدى توفيق الفرا وفاة الأستاذ نزيه محمد مفلح الصبيحات وتشييع جثمانه اليوم في أم الجدايل الشمالية وفاة جهاد البريدي الكعابنة (أبو فواز) دريد الخطيب (أبو محمد) في ذمة الله وفيات الأردن اليوم السبت الموافق 1 آب 2026 وفاة إبراهيم عبدالقادر اليعقوب العدوان "أبو سبا" وفاة المخرج المصري محمد كرارة

فلسفة ( حفار ودفان ) في التراث والعرف العشائري الأردني : جذور السلم المجتمعي والطي الجذري للنزاعات

{clean_title}
نيروز الإخبارية :

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه.

​يُعد التراث العشائري الأردني مخزوناً اجتماعياً وقانونياً بالغ العمق ، حافلاً بالمصطلحات الدقيقة التي شكلت عبر التاريخ ناظماً أساسياً للسلم الأهلي واستقرار المجتمعات . ومن أبرز هذه القواعد العرفية وأكثرها هيبة وصلابة قاعدة ( حفار ودفان ) ، أو ما يقابلها في بعض السياقات بـ ( هدام وردام ) .
​لا تُستحضر هذه العبارة اعتباطاً أو في المشاجرات اليومية البسيطة ( الطلايب ) ، فهي ميثاق تضامن واختبار حقيقي للثبات في ( وقت حرايب الصفوف ) والمحن الكبرى . وفي سياق الصلح العشائري الأصيل ، تُمثل هذه القاعدة ذروة التنازل وإسقاط الحقوق الكبرى ، وتستند إلى ركيزتين جوهريتين تتمثلان في سياسة ( لا غالب ولا مغلوب ) لتحقيق التوازن الإنساني الذي يعيد الوئام ويغلق باب الشقاق بحيث يخرج الجميع رابحين بعودة الاستقرار ، إلى جانب مبدأ الطي الجذري للنزاع عبر إنهاء الخلاف من جذوره ودفنه تماماً بحيث يُطوى ما مضى فلا يُعاد نبشه أو إثارة تفاصيله مستقبلاً نزولاً عند مصلحة حقن الدماء ووحدة الصف .
​أنماط الصلح العشائري في التراث الأردني
​في حديثنا عن الصلح العشائري وأصوله المرعية ، لابد من تبيان أنواعه وأنماطه المتعددة التي تنظم الحياة العامة وتضبط إيقاع العلاقات بين الأفراد والجماعات ، والتي تتدرج وفق طبيعة النزاع وحجمه :
​الصلح العام ( العمومي ) : هو ذاك الصلح الذي يكون بين عشيرتين كبيرتين أو مجموعتي عشائر ، ويُعرف اصطلاحاً بـ ( بنعمة مقابل بنعمة ) ، أو ( صف مقابل صف ) ، أو ( حلف مقابل حلف ) . وتكون بين الطرفين عداوة تقليدية تمتد بجذورها إلى تاريخ علائقهم الماضية مما يؤثر على سلوكهم الحالي ، وتنتفي هذه العداوة وتصل نهايتها الطبيعية عبر ( الحفار والدفان ) . وفي هذا النمط ، يُعتبر كل فرد في المجموعتين المتصالحتين معنياً ببنود الاتفاق وشروطه ، لما يمثله من منع لتوسع دائرة الأذى .
​الصلح المحدود : هو الصلح الذي غالباً ما يكون بين الأقارب ، وفي قضايا المشاجرات البسيطة والخلافات الفردية والعرض ، حيث لا يحتاج الأمر دائماً إلى إبراز ذلك وإظهاره على الملأ ، بل يُكتفى بجاهة محدودة دون أية بهارج غير عادية .
​الصلح الخاص : وهو الصلح الذي يتم بين شخصين أو أسرتين ، حيث يُدرك العقلاء أن بقاء الخصومة دون مصالحة قد تتوسع وتجلب للمتخاصمين ولأقاربهم تبعات نحن في غنى عنها ، لذا يُجرى من باب إصلاح ذات البين الفردية وجبر الخاطر .
​مفهوم ( حفار ودفان ) وشروطه الأساسية
​يُعتبر ( الحفار والدفان ) من أهم بنود العرف العشائري الأردني عبر التاريخ ؛ فهو يعني الصلح العام والسماح الشامل عن كل ما كان بين أطراف المصالحة ، بغض النظر عن نوع الجرائم وأعدادها ، وبغض النظر عن نوع العداوات وطول زمنها التي قد تكون لمئات السنين خلت ، حتى يصل المتخاصمون إلى مرحلة لا يجدون وسيلة فيها سوى التصالح التام .
​ويشترط العرف العشائري لمن يوقع ( الحفار والدفان ) شروطاً دقيقة ومحددة :
​أن يكون هو ( المثير المنيخ ) ، أي الشخص الذي بيده قرار الحرب ( المثير ) والسلم ( المنيخ ) ، وأن يكون مخولاً بذلك .
​أن يتم الأمر بموافقة مسبقة من شيوخ القبيلة ووجاتها ومجلسها .
​تتم تصفية الحقوق المتعلقة بالدماء وفق مبدأ التعويض العادل ، مثل ( رجل قبال رجل ) ، و( امرأة قبال امرأة ) ، و( فرس قبال فرس ) ، و( جمل قبال جمل ) ، مقتدين في ذلك بالتشريعات السماوية الكريمة من الآيات الواردة في القرآن الكريم حول القصاص والعفو والفضل بين الناس .
​آليات التصفية العشائرية والصلح الشامل وتطبيقاتها العامة
​عندما تصل المجتمعات والعشائر إلى تسوية القضايا الكبرى والنزاعات التاريخية التي خلفتها حرايب الصفوف وغزوات البادية القديمة ، لم يكن الصلح مجرد مصافحة عابرة ، بل كان يشمل تصفية شاملة ودقيقة تتضمن ما يلي :
​المناقع للديات : حصر أعداد القتلى من الطرفين وتحديد التزامات الديات بدقة .
​الحسيب والزيادي للمال : حساب الأموال والممتلكات المتنازع عليها وتسوية الحقوق المالية الكبيرة .
​المنشد والعرض والوجوه : حفظ الكرامات وحقوق الوجوه التي سعت في الإصلاح وتقدير أصحاب الجاه .
​الديار المنهوبة وحقوق الغزو : تسوية أية ممتلكات أو مواشٍ أُخذت سابقاً وإلزام الطرف المخطيء بردها أو جبر ضررها .
​كما يُتوج هذا الصلح بمنظومة صارمة من الحجج المكتوبة ، والكفلاء ( كفلاء الوفاء والدفا ) ، والنحاية ( الشرط الجزائي ) لضمان عدم نقض الاتفاق وإظهار الأمر على الملأ ليعرف القاصي والداني أن الأمور عادت إلى مجاريها .
​امتداد التطبيق : حضور ( حفار ودفان ) في شمال الأردن
​لم يقتصر تطبيق قاعدة ( حفار ودفان ) على بادية الجنوب أو الوسط وحدها ، بل امتدت جذور هذا المبدأ العشائري العميق لتشمل مناطق شمال الأردن بمدنها وقراها وبواديها وسهولها . فقد شهد الشمال الأردني عبر تاريخه الاجتماعي الطويل العديد من المحطات والمصالحات الكبرى التي سعت إلى طي صفحات النزاع العميقة ، وظهر ذلك بوضوح في مسارين رئيسيين :
​بين القبائل البدوية وقبائل وعشائر أهل الشمال ( الحضر والفلاحين ) : شهدت مناطق سهول حوران وإربد وعجلون وما جاورها تداخلاً وثيقاً واحتكاكاً مستمراً بين استقرار القبائل البدوية وحياة الفلاحين والحضر . وعند وقوع نزاعات كبرى أو مصادمات مرتبطة بالمراعي ، أو مصادر المياه ، أو قضايا الدم الناتجة عن الغزوات المتبادلة في تلك الحقب ، كانت تتدخل جاهات الوطن الكبرى من شيوخ البادية والحضر معاً لإبرام صلح عام وشامل يرتقي إلى مستوى ( حفار ودفان ) ، بحيث تُدفع الديات وتُصفى الحقوق العالقة نهائياً لتأمين الطرق وحماية الاستقرار المعيشي والاقتصادي للمنطقة برمتها .
​بين عشائر الشمال مع بعضها البعض : لم تخلُ القرى والبلدات الشمالية عبر التاريخ من نزاعات عائلية أو عشائرية داخلية أو بين القرى المتقاربة . وحين كانت تتطور هذه الخلافات وتأخذ طابعاً دموياً أو تهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي وتوريث الثأر للأجيال ، كان عقلاء وشيوخ الشمال يستدعون قواعد القضاء العشائري الأصيل ، ويُعلنون الصلح بصيغة ( حفار ودفان ) لإغلاق ملف النزاع من جذوره ، وإعلان صفحة بيضاء جديدة لا يُعاد فيها نبش ما مضى أبداً ، التزاماً بمبدأ حقن الدماء وصيانة السلم الأهلي .
​النماذج والأمثلة التاريخية لتطبيق قاعدة ( حفار ودفان ) في الأردن
​تتجلى هذه القاعدة في محطات تاريخية عديدة عبر الذاكرة الأردنية العامة ، ومن أبرز أمثلتها الموثقة :
​الصلح الثلاثي التاريخي عام 1864 م : من أشهر ما تم من ( حفار ودفان ) قبلي ثلاثي ما جرى بين قبائل العبابيد والعدوان والسلطية عام 1864 م عند والي الشام ، بحضور رموز تلك المرحلة ؛ الشيخ كايد الختالين العبادي ( شيخ مشايخ العبابيد ) ، والشيخ حسين الصبح الفاعوري ( شيخ مشايخ السلط ) ، والشيخ أحمد خليفة أبو عرابي الكايد العدوان ( شيخ الطرف الذي جنح للسلم من العدوان ) . وقد أسفر هذا الصلح عن تلبية مطالبهم الوطنية في تلك الحقب كإقامة متصرفية في السلط .
​الصلح بين الحويطات وبني صخر عام 1924 م : ومن أشهر حالات ( الحفار والدفان ) ما جرى في الكرك بحضور شيوخ المشايخ للقبيلتين ؛ الشيخ مثقال الفايز عن بني صخر ، والشيخ حمد بن جازي عن الحويطات عام 1924 م .
​مفاوضات بلدة العمقة عام 1926 م : مفاوضات الصلح التاريخية التي جرت في بلدة العمقة بالمزار الجنوبي في محافظة الكرك برعاية الشيخ حسين باشا الطراونة ( رحمه الله ) بين كبرى قبائل البادية ( الحويطات وبني صخر ) والتي حضرها شيوخ ووجهاء كبار مثل حمد بن جازي ومثقال الفايز ، حيث اعتمدت القبيلتان مبدأ ( الحفار والدفان ) لطي صفحة الماضي العالق قبل تأسيس الإمارة وصورت المشاكل على هيئة شيء حُفرت له حفرة عميقة ودُفن بحيث لا يظهر من جديد .
​المحاذير النقدية وإسقاطات الفضاء العام
​برزت في الفكر الصحفي والثقافي الأردني أصوات تحذر من إساءة توظيف هذه المفاهيم أو تحويلها إلى ذريعة للتنازل المفرط خارج سياقاتها المعتبرة :
​رفض الإفلات من العقاب : التنبيه إلى خطورة تعميم منطق التسامح المطلق في غير محاله ، لئلا يتحول العرف إلى غطاء لتمييع الحقوق أو إهدار العدالة الناجزة .
​التوازن مع سيادة القانون : التأكيد على أن الدولة المدنية الحديثة تقتضي تكاملاً واسعاً بين استلهام حكمة ( حفار ودفان ) في إغلاق بوابات الفتنة الكبرى ، بالتوازي مع حراسة سيادة القانون وحقوق الأفراد .
​الحدود السياسية لمصطلح ( حفار ودفان )
​على الصعيد السياسي والدبلوماسي الرسمي ، لم تشهد العلاقات بين الدول العربية ( سواء بين الأردن والعراق ، أو الأردن وسوريا ، أو الأردن والسعودية ، أو بين أي دول عربية أخرى ) أي مؤتمرات أو معاهدات صلح رسمية أُبرمت تحت مسمى ( حفار ودفان ) أو صِغت وفقاً لهذا المصطلح العشائري البحت ، فالعلاقات الدولية تُدار وفق القانون الدولي وميثاق جامعة الدول العربية والدبلوماسية الرسمية ، وكل ما يُطرح في هذا السياق يظل في إطار التشبيهات الأدبية أو التحليلات الصحفية والنقدية التي تستدعي روح الصلح وطي الصفحة مجازاً لا كتعريف قانوني لمعاهدة دولية .
​نخلص إلى القول إن الصلح عند العشائر الأردنية هو "سيد الأحكام" ، وأنه خاتمة المطاف في سلم الخلافات ، وبداية الطريق في صفاء الحياة بين المتخاصمين . وتظل قاعدة ( حفار ودفان ) علامة فارقة في الذاكرة العشائرية والوطنية ، فهي توازن ببراعة بين حفظ الحقوق وبين القدرة الشجاعة على طي صفحات الماضي المؤلمة على الصعيد المجتمعي ، لتؤكد دائماً أن قوة المجتمع تكمن في صياغة سلمه الأهلي ، وحراسة نسيجه الوطني ، والانطلاق الواثق نحو المستقبل .
قائمة المصادر والمراجع :
​1 ) زيارة ميدانية وتوثيق شفهي لبلدة العمقة ومفاوضات الصلح العشائري التاريخية لعام 1926 م ، محافظة الكرك ، المملكة الأردنية الهاشمية .
​2 ) الأرشيف الشفوي والأعراف العشائرية في البادية الأردنية ، توثيق تراث الشيوخ والوجهاء ( حقبة إمارة شرق الأردن ) .
​3 ) زيارات ميدانية وتوثيق شفهي للأعراف والتقاليد العشائرية في مناطق شمال الأردن ( إربد ، جرش ، عجلون ، وسهول حوران ) .
​4 ) مقالات وتحليلات صحفية منشورة في الصحف اليومية الأردنية ( جريدة الدستور وصحيفة السوسنة ) حول دلالات الأعراف العشائرية وإسقاطاتها العامة .
​5 ) كتاب ( الجنايات الكبرى وأدلتها في القضاء العشائري ) ، تأليف المؤرخ المفكر د . أحمد عويدي العبادي ، منشورات دار جرير ، عمان ، الأردن .