منذ تأسيس الدولة الأردنية، والأردن يقف في قلب منطقة مضطربة، حاملاً مسؤولية وطنية وقومية وتاريخية كبيرة. فموقعه الجغرافي، ودوره السياسي، ومواقفه الثابتة، وقربه من فلسطين، جعلته حاضراً في صلب أحداث المنطقة، وجعل الحفاظ على أمنه واستقراره وسيادته مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون.
والأردن لا يحمل مسؤولية وطنه وحده، بل يحمل في وجدانه قضية القدس؛ أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماوات العلا، تلك المدينة التي ارتبط بها الهاشميون تاريخاً وتضحيةً ومسؤولية.
ومن هنا نفهم عمق المسيرة الهاشمية في الأردن؛ مسيرة عز ومجد وبناء وتضحيات. ويكفي الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين شرفاً أنه ارتقى شهيداً على أرض القدس عند المسجد الأقصى، لتبقى تضحيته شاهدة على أن القدس لم تكن يوماً قضية عابرة، وأن الدفاع عن المقدسات كان جزءاً من المسؤولية التاريخية للهاشميين.
ومنذ ذلك التاريخ، واصلت القيادة الهاشمية حمل الأمانة، واستمر الأردن في حماية أمنه والدفاع عن مصالحه ورعاية المقدسات، وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي يقود الأردن اليوم في مرحلة إقليمية من أشد المراحل اضطراباً وتعقيداً.
إن القول إن الأردن مستهدف ليس دعوة إلى الخوف أو نشر القلق، بل هو دعوة إلى الوعي واليقظة ووحدة الصف. فالاستهداف لا يأتي دائماً عبر السلاح؛ فقد يأتي عبر الحدود، وقد يأتي عبر شاشة هاتف، أو حساب مجهول، أو خبر مفبرك، أو حملة إعلامية مضللة، أو شائعة تبدأ بكلمة وتنتهي بمحاولة ضرب الثقة بين المواطن ودولته وبين أبناء الشعب الواحد.
والشائعة سلاح صامت لا تُسمع له طلقة، لكنه قادر على إحداث شرخ في المجتمع. قد تبدأ بكذبة صغيرة، ثم تتحول إلى شك، ثم غضب وانقسام وفتنة. ولذلك فإن وعي المواطن أصبح جزءاً من أمن الوطن. تحقق قبل أن تنشر، وتثبت قبل أن تصدق، واسأل عن مصدر المعلومة قبل أن تجعلها حقيقة.
لا تجعل هاتفك منفذاً لمن يريد العبث بالأردن، ولا تجعل أصابعك أداة لنشر ما يهدد وحدته واستقراره. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الرصاصة، قد تكون كلمة غير مسؤولة أشد خطراً من كثير من الأسلحة، وقد يكون المنشور المضلل شرارة لفتنة لا يعرف أحد أين تنتهي.
وإذا كانت الشائعة تستهدف العقل والوعي، فإن المخدرات تستهدف الإنسان نفسه؛ تستهدف شبابنا وأسرنا ومستقبل أجيالنا. ومواجهتها ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي معركة وطنية ومجتمعية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع، إلى جانب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي تواجه التهريب والمروجين وتحمي الحدود.
فالمعركة واحدة: نحمي عقولنا من الشائعة، ونحمي أبناءنا من المخدرات، ونحمي وطننا من الفتنة.
إن حدود الأردن البرية والمائية، وسماءه ومجاله الجوي، وسيادته على أرضه ومائه وسمائه، ثوابت وطنية لا تقبل المساومة. لكن حماية الحدود لا تكفي إذا تركنا ثغرات في الوعي والوحدة الوطنية.
فالوطن الذي يحرس الجندي حدوده، يجب أن يحرس المواطن وعيه، والوطن الذي تحمي أجهزته الأمنية أمنه، يجب أن يحمي المجتمع أبناءه من المخدرات والانحراف، والوطن الذي نصون أرضه وماءه وسماءه، يجب أن نصون وحدته من الشائعات والفتن.
فالأمن يبدأ من الحدود، لكنه لا ينتهي عندها.
ونحن أبناء وطن واحد، يجمعنا تاريخ واحد ومصير واحد ومستقبل واحد. قد نختلف في الرأي، لكن لا نختلف على الأردن. نطالب بالإصلاح، لكن لا نسمح بالفوضى. ننتقد، لكن لا نهدم. نتحاور، لكن لا نسمح لأحد أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام، والانقسام إلى فتنة.
فالوطن يتسع للنقد المسؤول، ويتسع للاختلاف، لكنه لا يحتمل أن يتحول الاختلاف إلى أداة لهدم الثقة وتفكيك المجتمع.
وهنا تبرز ثوابتنا الوطنية التي تمثل ركائز أساسية في منظومة الدولة: مؤسسة العرش الهاشمي، والجيش العربي، والأجهزة الأمنية. هذه الركائز هي صمام أمان الدولة وحصن الوطن، وقوتها تزداد بتكاملها مع شعب واعٍ ومتماسك، يؤمن بأن أمن الأردن واستقراره ووحدته الوطنية فوق كل اعتبار.
فالعرش الهاشمي إرث من المسؤولية والتضحيات، والجيش العربي درع الوطن وسياج حدوده، والأجهزة الأمنية عينه الساهرة، والشعب هو الحاضنة التي تمنح هذه المنظومة قوتها وصلابتها.
وقد أثبت التاريخ أن الأردن لم يكن يوماً بلا تضحيات، وأن الهاشميين حملوا مسؤولياتهم في أصعب الظروف، وقدموا التضحيات من أجل الأردن والقدس والمقدسات.
واليوم يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حمل أمانة الوطن وسط بحر إقليمي هائج، تتلاطم فيه الأزمات والصراعات، ويقود الأردن بحكمة وثبات، ويحافظ على أمنه واستقراره ومصالحه، ويسعى إلى إبقاء الوطن بعيداً عن لهيب الفوضى والوصول به إلى بر الأمان.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه الأردن ليس فقط ما يأتي من الخارج، بل أن نسمح للخصومة والانقسام أن يتسللا إلى الداخل. فإذا نجح من يريد بالأردن سوءاً في تحويل أبناء الوطن الواحد إلى خصوم، فإنه يكون قد حقق هدفه دون أن يطلق رصاصة واحدة.
لذلك لن نمنح الشائعة طريقاً، ولا الفتنة مكاناً، ولا المخدرات فرصة، ولا الدعاية المضللة قدرة على تفكيك صفنا.
الأردن وطن واحد، ومصير واحد. وكلما اشتدت العواصف من حوله، ازداد أبناؤه تماسكاً، وكلما تكالبت الأخطار، وقف الأردنيون صفاً واحداً خلف وطنهم وقيادتهم وجيشهم وأجهزتهم الأمنية.
فلنحفظ الأردن بالوعي قبل الكلمات، وبالوحدة قبل الشعارات، وبالانتماء قبل المطالب. ولنتذكر دائماً أن الوطن الذي حُمي بدماء الرجال، لا يجوز أن نسمح لأحد أن يعبث بأمنه أو وحدته أو مقدراته.
حدود الأردن خط أحمر، وسيادته على أرضه ومائه وسمائه خط أحمر، وأمنه واستقراره ووحدته الوطنية خطوط حمراء لا مساومة عليها.
حمى الله الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وحفظ الأردن آمناً عزيزاً مستقراً موحداً.