ليس ما بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني كما قبله؛ فتبادل المصالح والتفاهمات بين الطرفين قد يكون له أثر بالغ في تقديم المصالح الأمريكية والإيرانية على مصالح الدول العربية عامة، والخليجية والأردنية والمصرية والسورية على وجه الخصوص.
ومن خلال التجارب المستخلصة من العراق وغيره، ندرك أن البراغماتية الأمريكية والإيرانية لا تلتفت كثيراً إلى مصالح الآخرين ما لم يصنعوا لأنفسهم دوراً مؤثراً، من خلال وحدتهم، والتخطيط الجيد، واستثمار إمكاناتهم الجيوسياسية ومواردهم المتعددة.
نعم، نحن بحاجة إلى وقفة جادة لمراجعة ما مضى، ورسم ما ينبغي أن يكون عليه المستقبل؛ فالتغيير حتمي، ويجب أن يسبقه الإعداد والاستعداد، لا أن نبقى أسرى ردود الأفعال.
ولعل الرهان المطلق على الولايات المتحدة لم يعد مقنعاً لكثيرين بعد تجارب تاريخية متعددة، من فيتنام مروراً بأفغانستان والعراق، وصولاً إلى أزمات المنطقة الحالية. كما أن مضي واشنطن في تفاهمات منفردة مع طهران ـ إن حدثت ـ قد يثير تساؤلات مشروعة لدى حلفائها وشركائها في المنطقة. وإذا كانت دول الخليج تمتلك بريق الذهب الأسود والغاز الذي قد يكون مطمعا فماذا عن الأردن واطماع اسرائيل في ارضه وايران في مقابره ومزاراته. والسؤال هل لنا من عودة للرقم الصعب الذي كنا نملك قبل فوات الأوان.
أما من جهة المستقبل، فإن إيران تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، من النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى وعدد السكان ما يجعلها شريكاً جذاباً للقوى الدولية الباحثة عن المصالح والفرص الاقتصادية. وفي المقابل، تجد بعض الدول العربية نفسها في بيئة إقليمية معقدة، بين النفوذ الإسرائيلي من جهة والنفوذ الإيراني من جهة أخرى.
لذلك فإن بناء التحالفات وتنويع الشراكات لا يبدو أمراً مستحيلاً، سواء على المستوى الإقليمي مع تركيا وباكستان، أو على المستوى الدولي مع روسيا والصين وغيرها من القوى الصاعدة، شريطة أن يكون ذلك منطلقاً من رؤية وطنية واضحة ومصالح استراتيجية مدروسة.
فهل نملك الإرادة لصناعة دورنا بأنفسنا، أم سنبقى ننتظر ما يقرره الآخرون لنا؟