عندما تتحول هيكلة الموارد البشرية في المؤسسات إلى أداة إقصاء وتغيب العدالة عن المشهد العام.
في كل دول العالم تعد هيكلة الموارد البشرية عملية إصلاحية حقيقية تهدف إلى رفع قدرة وكفاءة المؤسسات وتحسين الأداء العام واستثمار الطاقات البشرية بالشكل المطلوب، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه العملية تحديدا من مشروع وطني شامل للإصلاح إلى وسيلة لإعادة تشكيل المؤسسات وفق المزاج الشخصي والرغبات الفردية لبعض المسؤولين والمتنفذين.
ملف الفائض العام الذي يفترض أن يكون أحد أدوات التطوير الإداري أصبح في كثير من الأحيان يثار حوله جدل واسع وهناك تساؤلات مشروعة حول المعايير التي يتم اعتمادها لاختيار الموظفين المشمولين به..... فهل تبنى هذه القرارات على الكفاءة والإنتاجية والخبرة والحاجة الفعلية للمؤسسة؟ أم أنها تبنى على معايير أخرى لا علاقة لها بالمصلحة العامة؟.
المشكلة الحقيقية لا تتمحور في فكرة الهيكلة ذاتها، بل في آلية التطبيق، فعندما يشعر الموظف أن مصيره الوظيفي أصبح مرتبطا بدرجة الرضى عنه لدى المسؤولين أكثر من ارتباطه بأدائه وإنجازاته الشخصية، فإننا لا نتحدث هنا عن إصلاح إداري، بل عن بيئة خصبة للإحباط وفقدان الثقة والشغف وتراجع الإنتاجية.
إن المؤسسات الناجحة والقوية والتي تحترم وجودها لا تتخلص من الكفاءات بسهولة، بل تستثمر وتوظف خبرات موظفيها.... ولا تنظر إلى الخبرات المتراكمة باعتبارها عبئا ماليا، وإنما باعتبارها رأس مال بشري يصعب تعويضه.... ولذلك فإن إخراج أصحاب الخبرة والمعرفة المؤسسية من المشهد دون دراسة دقيقة يعني خسارة سنوات طويلة من التراكم المهني والمعرفي في المؤسسة.
الأخطر من ذلك أن القرارات غير المدروسة سوف تخلق حالة من الارباك الإداري الشديد، فالموظف الذي يرى زميله المجتهد يحال إلى الفائض العام بينما يبقى آخر أقل كفاءة، لن يقتنع بأن المعيار هو المصلحة العامة...... وعندما يغيب الاقتناع تغيب الثقة بمؤسسات الدولة، وعندما تغيب الثقة وتتراجع الروح المعنوية وتبدأ المؤسسة بفقدان قدرتها على الإنجاز والوصول إلى أهدافها.
إن أي عملية هيكلة لا تستند إلى مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس ومعلنة للجميع ستبقى موضع شك وتساؤل كبير، فالعدالة لا تكفي أن تكون موجودة، بل يجب أن تكون مرئية ومطبقه أيضا. والموظف من حقه أن يعرف لماذا تم اختياره، وما هي الأسس التي بني عليها هذا القرار، وكيف تم تقييم أدائه مقارنة بغيره من الموظفين.
كما أن نقل الموظفين إلى الفائض العام دون وجود خطة حقيقية شاملة وواضحة لإعادة توظيف خبراتهم أو الاستفادة من مهاراتهم يمثل هدرا للموارد البشرية التي أنفقت الدولة سنوات طويلة في تأهيلها وتدريبها..... فالعقل المؤسسي لا يستبدل بسهولة، والخبرة ليست أرقاما في كشف الرواتب يمكن شطبها بقرار إداري غير مدروس.
إن الإصلاح لا يبدأ بإقصاء وتحييد الموظفين، بل يبدأ بتشخيص الخلل الإداري، ومحاسبة المقصرين، وتطوير الأداء العام ، وإعادة توزيع الموارد البشرية وفق احتياجات فعلية ومدروسة والبعد عن العشوائية والانتقائية. أما اللجوء إلى حلول سريعة وغير مدروسة فقد يحقق أرقاما مؤقتة على الورق، لكنه يترك ندوبا عميقة داخل المؤسسات يصعب علاجها لاحقا وهنا ستخسر مؤسساتنا الكثير.
اليوم يقف ملف الفائض العام أمام اختبار حقيقي...... فإما أن يكون مشروعا وطنيا للإصلاح الإداري قائما على الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص الفعلي، وإما أن يتحول إلى عنوان جديد للإقصاء وتصفية الحسابات وإعادة إنتاج المشكلات ذاتها بطرق وأشكال مختلفة.
المؤسسات لن تنهار بسبب نقص الموظفين ، بل ستنهار عندما تفقد أصحاب الخبرة والكفاءة والرؤية والرسالة، وحين تصبح الكفاءة سببا للخروج من المشهد بدلا من أن تكون سببا للتقدم فيه، فإن الخلل لا يكون في الموظف، بل في المنظومة التي تدير المشهد بأكمله.
ويبقى السؤال الأهم هل نحن أمام هيكلة للموارد البشرية أم إعادة هيكلة للولاءات؟ وهل الهدف بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة أم إلى إعادة توزيع النفوذ داخلها؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان الفائض العام خطوة نحو الإصلاح الإداري أم بداية لأزمة إدارية جديدة.