تستقبل الأمة الإسلامية مع إشراقة هذا اليوم المبارك غرة شهر المحرم لعام 1448 هـ ، وهي مناسبة دينية وعقائدية جليلة تحمل في طياتها أسمى الدلالات الروحية ، وتستدعي من الوجدان استذكار الهجرة النبوية الشريفة لرسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - . تلك الرحلة التاريخية الخالدة لم تكن مجرد انتقال جيوغرافي بين مكة المكرمة والمدينة المنورة ، بل جسدت نقطة تحول مفصلية في مسار البشرية ، أسست لبناء دولة العدالة والوئام ، ورسخت قيم التسامح والتعايش والمواطنة الإنسانية .
وقد أعلن سماحة مفتي عام المملكة الأردنية الهاشمية الدكتور احمد الحسنات ، أن اليوم الثلاثاء 16 / 6 / 2026 م هو غرة شهر محرم ، وأول أيام السنة الهجرية الجديدة 1448 . وجاء هذا الإعلان الشرعي ليؤكد ما رجحته الحسابات الفلكية مسبقاً بناءً على حركة القمر ومرحلة الاقتران . وتستند قراءة هذه المناسبة العطرة في واقعنا المعاصر إلى محورين متكاملين ، أولهما العبر والدروس المستفادة من الهجرة في بناء المجتمعات ، وثانيهما انعكاس هذه القيم على مسيرة الأردن المباركة في ظل التوجيهات الملكية السامية .
أولاً : الهجرة النبوية . . . بناء الدولة وترسيخ قيم المواطنة :
إن المتأمل في السيرة النبوية العطرة يدرك أن الهجرة إلى المدينة المنورة وضعت اللبنات الأساسية لدولة المؤسسات والقانون من خلال ( وثيقة المدينة ) ، التي نظمت العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع على قاعدة الحقوق والواجبات والمواطنة المشتركة . وتجلت في هذا الحدث التاريخي أسمى معاني الأخوة والإنصاف عبر المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، مما شكل نموذجاً فريداً في التكافل الاجتماعي والتضامن الإنساني .
ولم تكن الهجرة يوماً مجرد ذكرى عابرة ، بل هي منهج عمل متجدد يستنهض فينا الهجرة المعنوية ، وهي هجر الكسل نحو العطاء والعمل ، وهجر الفرقة نحو الوحدة والتلاحم ، وتجاوز الصعاب بالتخطيط المدروس والعزم ، لتظل رسالة الإسلام الحنيف منارة للهداية ، والاعتدال ، والوسطية .
ثانياً : الأردن ورسالة الإسلام . . . ثبات على مبادئ الحق :
في ظلال العام الهجري الجديد 1448 هـ ، يقف الأردن بكل فخر كنموذج رائد في حمل رسالة الإسلام السمحة والذود عن قيمها الحقيقية في وجه محاولات التشويه . وبفضل القيادة الهاشمية الحكيمة لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ، ظل الأردن صوتاً ناطقاً بالحكمة والاعتدال عبر ( رسالة عمان ) التي طافت العالم لتؤكد على قيم السلام ، وحرمة النفس البشرية ، وقبول الآخر .
ويرتبط هذا الدور الهاشمي بمسؤولية تاريخية ومقدسة ينهض بها الأردن بكل أمانة واقتدار ، وتتمثل في الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك / الحرم القدسي الشريف ، حيث يستمر الجيش العربي والدبلوماسية الأردنية في حماية هذه الهوية الإيمانية والتاريخية ضد كل محاولات الطمس والتهويد .
ثالثاً : التلاحم المجتمعي والوعي الوطني الأصيل :
إن القيم المستمدة من ذكرى الهجرة النبوية تتلاقى بوضوح مع شيم المجتمع الأردني الأصيل ، الذي جُبل على إغاثة الملهوف ، والشهامة ، وفتح الأبواب لكل مستجير . فلقد صهر الأردن على مدى عقود طويلة قيم الريف والبادية والمدينة في بوتقة وطنية واحدة ، معززاً وحدة الهوية والانتماء ، وترسيخ قيم الأخوة والتكافل بين أبناء الوطن الواحد .
هذا النسيج الاجتماعي المتماسك والوعي الوطني الراسخ ، يعمل في انسجام تام مع سيادة القانون ومؤسسات الدولة ، مما يحافظ على استقرار الوطن ومنعته ، ويوفر البيئة الآمنة لمواصلة مسيرة البناء والتحديث الشامل .
نحو المستقبل : تطلعات وثبات في العام الجديد :
مع حلول عام 1448 هـ ، يرفع الأردنيون أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يحفظ وطنهم آمناً مستقراً ، وأن يوفق قيادتهم الفذة لمواصلة مسيرة الإنجاز البناء . وبقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ، وعضده وصي الحرف والعهد ، صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد ، يمضي الأردن بثقة وثبات نحو آفاق أرحب من التنمية والازدهار .
كل عام والقيادة الهاشمية ، والأسرة الأردنية الواحدة ، والأمتان العربية والإسلامية بألف خير ، وجعل الله هذا العام عام خير ، وبركة ، وسلام على البشرية جمعاء .