نشهد في هذا الزمن تسارع فيه الصناعات الغذائية وتغير فيه أنماط الحياة بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الجدل حول الطعام مقتصراً على المذاق أو القيمة الغذائية، بل أصبح سؤالاً أعمق يتعلق بعلاقة الإنسان بما يأكله، وبمدى اقتراب غذائه أو ابتعاده عن طبيعته الأولى.
ومن هنا برز ما يُعرف بـ”نظام الطيبات” الذي ارتبط باسم الطبيب المصري الراحل الدكتور ضياء العوضي، ليصبح واحداً من أكثر الأنظمة الغذائية انتشاراً حول العالم كما انه إثارةً للجدل بين مؤيد يراه دعوة للعودة إلى الغذاء الطبيعي، ومعارض يعتبر بعض أطروحاته بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.
لكن المشكلة لم تكن دائماً في النظام نفسه، بقدر ما كانت في الطريقة التي جرى بها تقديمه أو مهاجمته؛ فغالباً ما تُختزل الأفكار الكبيرة في مقطع قصير أو تصريح مجتزأ، وتُحاكم المشاريع الفكرية والصحية من خلال أكثر النقاط إثارة للجدل فيها، لا من خلال صورتها الكاملة.
فلسفة النظام، قائم على العودة إلى الأصل،
وينطلق نظام الطيبات في جوهره على فكرة بسيطة مفادها أن الإنسان كلما اقترب من الغذاء الطبيعي غير المعالج أو المعدل، كان أقرب إلى التوازن الصحي، وقد ركز العوضي على قضية يقر كثير من المختصين بأهميتها، وهي أثر التصنيع الغذائي المكثف والتدخل البشري الكبير في بعض المنتجات الزراعية والحيوانية.
وكما أكد عدد من الأطباء الذين اطلعت على آرائهم، بإن العوضي سلّط الضوء على أمور كان كثير من الناس غافلين عنها، رغم أنها أصبحت حاضرة في عدد كبير من البرامج الغذائية الحديثة حول العالم، فقد تحدث عن بعض المحاصيل والمنتجات الغذائية التي تعرضت لتغييرات واسعة بفعل التدخل البشري، سواء من خلال أساليب الإنتاج المكثف أو استخدام مواد كيميائية مختلفة أو التعديلات التي طرأت على طبيعة الغذاء مقارنة بصورته التقليدية المعروفة عبر التاريخ.
كما تناول بعض أنواع الحبوب ومنتجات الألبان واللحوم التي يرى أن طريقة إنتاجها الحديثة أو طبيعة تغذيتها قد تجعلها أكثر صعوبة في الهضم لدى بعض الأشخاص، وهي قضايا أصبحت محل نقاش علمي وغذائي عالمي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول تفاصيلها.
لماذا تركزت حملات التشويه على الممنوعات؟
من الناحية الإعلامية، غالباً ما يجذب المنع اهتمام الناس أكثر من الإباحة، لذلك ركزت كثير من حملات الانتقاد على قائمة الممنوعات في النظام، بينما جرى تجاهل قائمة طويلة من الأطعمة المسموحة والمتنوعة التي أكد العوضي أنها تكفي احتياجات الإنسان الغذائية.
ولم يكن النظام قائماً على الحرمان المطلق او العكس كما صوّره البعض، بل كان يطرح مبدأ الاعتدال وعدم الإفراط، بل إن بعض الأطعمة التي وُضعت ضمن قائمة الممنوعات كان يسمح بتناولها بعد الطهي أو بكميات محدودة وفي ظروف معينة وبعضها لا تتكرر بشكل يومي.
كما كان العوضي يكرر باستمرار أن طبيعة الأجسام تختلف من إنسان إلى آخر، وأن ما يناسب شخصاً قد لا يناسب غيره، وهي حقيقة طبية لا يختلف عليها المختصون، إذ تختلف الاستجابة الغذائية باختلاف العمر والحالة الصحية والأدوية والأمراض المصاحبة.
وبين الحقيقة والشائعة.. هل دعا العوضي إلى ترك العلاج؟
من أكثر الاتهامات التي طالت النظام الادعاء بأنه تسبب في تدهور حالات صحية أو وفاة بعض الأشخاص بعد تركهم للأدوية، وهنا لا بد من التمييز بين الفكرة وسوء تطبيقها، فحتى لو صح أن بعض الأشخاص أوقفوا أدويتهم بعد اتباع النظام، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن النظام نفسه دعا إلى هذا السلوك، ومن خلال متابعة عدد من لقاءات العوضي، وسؤال أطباء من أهل الاختصاص، يتضح أنه كان يتحدث عن بروتوكولات علاجية تعتمد على المتابعة الطبية والفحوصات الدورية وتحسن المؤشرات الصحية، وليس عن قرار فردي يتخذه المريض من تلقاء نفسه، وهناك قاعدة طبية التي لا خلاف عليها تبقى ثابتة: لا يجوز إيقاف أي دواء أو تعديل جرعاته إلا من خلال الطبيب المعالج وتحت إشراف مباشر، لأن أي تصرف فردي في هذا الجانب قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
السكريات والنوتيلا.. بين الاجتزاء والسياق الكامل
ومن أبرز الأمثلة على الجدل الإعلامي ما أُثير حول حديث العوضي عن السكريات وبعض المنتجات مثل النوتيلا، فقد صُورت بعض المقاطع وكأنها دعوة مفتوحة لتناول السكر دون قيود، بينما من تابع الشرح كاملاً يدرك أنه كان يتحدث عن كميات محدودة جداً وفي فترات متباعدة، مثل النوتيلا والمربى والعنب وغيرها، على ان تُستخدم كمية بسيطة مرة واحدة أسبوعياً، لا أن تتحول إلى عادة يومية أو استهلاك مفرط، والحقيقة التي يعرفها الأطباء أن الجسم يحتاج إلى الجلوكوز كمصدر أساسي للطاقة، وأن الدماغ يعتمد عليه في وظائفه الحيوية، لكن المشكلة تكمن في الإفراط لا في الاستخدام المعتدل، فكما أن زيادة السكريات تضر بالصحة، فإن الحرمان الشديد وغير المدروس قد لا يكون مناسباً لبعض الحالات أيضاً، ولهذا فإن كثيراً من الأطباء يتفقون على مبدأ التوازن، وهو المبدأ ذاته الذي كان العوضي يؤكد عليه عند الحديث عن هذه المسألة.
اما بما يخص قضية التدخين.. بين الاعتراف والتأويل، وهي من أكثر النقاط التي تعرضت للاجتزاء حديث العوضي عن التدخين، فالواقع أنه لم يدعُ الناس إلى التدخين، ولم يصفه يوماً بأنه سلوك صحي، بل اعترف بأنه مدخن ولم يحاول إخفاء ذلك، لكن بعض تصريحاته فُسرت خارج سياقها الكامل، ومن تابع المقابلات كاملة يلاحظ أنه كان يحاول إيصال فكرة مفادها أن بعض الممارسات الغذائية الخاطئة والذي وصفها بأنها تحمل السموم، قد تكون أشد أثراً مما يتخيله الناس، ولم يكن ذلك دعوة للتدخين أو تبريراً له.
وقد أقر بنفسه في إحدى المقابلات بأنه ليس إعلامياً محترفاً يمتلك مهارة صياغة الرسائل الإعلامية وانتقاء العبارات، وهو ما قد يفسر بعض الجمل التي أثارت الجدل وأُخذت بمعزل عن سياقها الكامل، بسبب انتقاء الكلمة او أسلوب طرحها.
ويتساءل البعض لماذا تنشأ حملات التضليل حول الأفكار الجدلية؟ وهنا نجيب لان كل فكرة تحاول تغيير نمط مألوف تصطدم بثلاث قوى:
الأولى: قوة العادة، فالإنسان بطبيعته يدافع عما اعتاد عليه، والثانية: قوة المصالح، إذ ترتبط بعض الأنماط الغذائية والصناعات بمصالح اقتصادية ضخمة، أما الثالثة فهي قوة الاجتزاء الإعلامي، حيث تصبح الجملة المثيرة أكثر انتشاراً من الفكرة الكاملة، ولهذا نجد أن كثيراً من الناس لم يقرأوا النظام كاملاً، ولم يشاهدوا الطرح كاملاً، بل كوّنوا مواقفهم من مقاطع قصيرة أو عناوين مثيرة أو منشورات متداولة.
بين التأييد الأعمى والرفض المطلق، تبقى الحقيقة لا تسكن طرفاً واحداً دائماً، واي فكرة او علم اجتهاد من الانسان فهو ليس نص قرآني، اي انه قابل للتعديل والتغيير، قد يصيب او يخطئ.
ومن خلال ما استمعت إليه من أطباء أثق بعلمهم وخبرتهم منهم الدكتور ( ع. و )والدكتور ( م. ع) وغيرهم من الأطباء ، ومن خلال ما استمعت سابقا للدكتور محمد الغرايبة رحمه الله، وجدت أن بعض المبادئ التي يقوم عليها النظام تتوافق مع أسس صحية معروفة، لكن ضمن بروتوكولات محددة تختلف من شخص لآخر، وتحتاج إلى إشراف طبي ومتابعة مستمرة، لذلك فإنني لا أدعو إلى اتباع نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر دون دراسة وفهم واستشارة طبية، كما لا أدعو إلى رفضه أو مهاجمته دون الاطلاع عليه بصورة كاملة.
فالإنصاف يقتضي أن نزن الأفكار بميزان العلم لا بميزان الانطباعات، وأن نحاكمها بالدليل لا بالشائعة، وأن ندرك أن الحقيقة لا تُعرف بالصوت الأعلى، بل بالمعرفة والبحث والتثبت، ويبقى الاعتدال في الطعام، والابتعاد عن الإسراف، والرجوع إلى أهل الاختصاص، من المبادئ التي تكاد تجمع عليها جميع المدارس الطبية والغذائية، مهما اختلفت أسماؤها أو مناهجها