بقلم العميد الركن المتقاعد الدكتور عبدالمجيد علي الكفاوين
في التاسع من حزيران من كل عام، يقف الأردنيون وقفة فخر واعتزاز في ذكرى عيد الجلوس الملكي، مستذكرين اليوم الذي تولّى فيه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية ملكاً للمملكة الأردنية الهاشمية، ليقود الوطن في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً وتحولاً في تاريخ المنطقة الحديثة.
وتكتسب هذه المناسبة الوطنية هذا العام أهمية استثنائية في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتصاعد الصراعات المسلحة، وتنامي التهديدات الأمنية غير التقليدية، وتسارع التحولات الجيوسياسية، واشتداد المنافسة على الموارد والطاقة والممرات الاستراتيجية، إلى جانب التحديات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على دول المنطقة. وفي خضم هذه المتغيرات المتسارعة، يبرز الأردن نموذجاً للدولة القادرة على إدارة التحديات وتحويل المخاطر إلى فرص بفضل القيادة الهاشمية الحكيمة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القيادة الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، بل بقدرتها على استشرافها والاستعداد لها قبل حدوثها. ومن هذا المنطلق، انتهج جلالة الملك عبدالله الثاني نهجاً استراتيجياً يقوم على القراءة الدقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية، وبناء منظومة وطنية قادرة على الصمود والتكيف والاستجابة الفاعلة لمختلف السيناريوهات المحتملة.
وعلى المستوى الوطني، شهد الأردن في عهد جلالته مسيرة متواصلة من التحديث والتطوير، انطلقت من قناعة راسخة بأن الأمن الوطني الشامل لا يقتصر على البعد العسكري والأمني فحسب، بل يشمل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والغذائي والمائي والسيبراني. ومن هنا جاءت مشاريع التحديث السياسي والاقتصادي والإداري باعتبارها استثماراً استراتيجياً في مستقبل الدولة الأردنية وتعزيزاً لقدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
أما على صعيد الأمن والدفاع، فقد أولى جلالة الملك اهتماماً استثنائياً بتطوير القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، انطلاقاً من إدراك عميق لطبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية، بل امتدت لتشمل الإرهاب العابر للحدود، والهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، وحروب المعلومات والتأثير المعرفي. وقد انعكس ذلك في بناء قوات مسلحة حديثة تتمتع بمستويات عالية من الاحترافية والجاهزية والقدرة على حماية حدود الوطن وصون أمنه واستقراره في بيئة استراتيجية شديدة التعقيد.
وفي الوقت ذاته، نجح الأردن في الحفاظ على توازنه الاستراتيجي وسط إقليم يموج بالأزمات والصراعات، مستنداً إلى سياسة خارجية هاشمية تتسم بالحكمة والاعتدال والواقعية السياسية. فكان صوت الأردن دائماً صوت العقل والحوار والدبلوماسية المسؤولة، والداعي إلى حلول سياسية عادلة ومستدامة للنزاعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ظل جلالة الملك يحمل رايتها في مختلف المحافل الدولية دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني وحمايةً للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف في إطار الوصاية الهاشمية التاريخية.
إن قراءة المشهد الإقليمي الراهن تؤكد أن المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى والتحالفات ومفاهيم الأمن القومي، الأمر الذي يجعل من الاستقرار الأردني إنجازاً استراتيجياً بحد ذاته. فالأردن لم يحافظ على أمنه واستقراره بالصدفة، بل بفضل رؤية قيادية واضحة، ومؤسسات وطنية قوية، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية محترفة، وشعب واعٍ يدرك حجم التحديات التي تواجه وطنه.
وفي ذكرى عيد الجلوس الملكي، لا نستذكر فقط سنوات الحكم، بل نستحضر مسيرة دولة نجحت في ترسيخ نموذج فريد في الاستقرار والاعتدال والمرونة الاستراتيجية. كما نستشرف المستقبل بثقة أكبر، مستندين إلى قيادة تمتلك القدرة على استيعاب المتغيرات الدولية والإقليمية، وتوجيه بوصلة الدولة نحو التنمية المستدامة وتعزيز عناصر القوة الوطنية الشاملة.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نجدد الولاء والانتماء للقيادة الهاشمية، والعهد على مواصلة العمل والبناء والعطاء، سائلين الله العلي القدير أن يحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأن يحفظ الأردن عزيزاً قوياً آمناً مستقراً، قادراً على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل بثقة واقتدار.
حمى الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأبقى رايته الهاشمية خفاقة في سماء المجد والعزة والكرامة.