لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مجرد استحقاق دستوري، بل حمل رسائل سياسية ووطنية وأخلاقية عميقة، أكدت رسوخ الدولة الأردنية وصلابة مؤسساتها وثبات مواقفها، ورسخت حقيقة أن قوة الأردن لا تستمد من قدرته على مواجهة التحديات فحسب، بل من حكمة قيادته الهاشمية، وسيادة قانونه، ووعي شعبه، وتماسك جبهته الداخلية.
وجاء الخطاب في أعقاب الجريمة الإرهابية التي استهدفت أهلنا في الكرك، ليؤكد أن أمن الأردن وسيادته ووحدته ثوابت لا تقبل التهاون أو المساومة، وأن حكمة الدولة واعتدال مواقفها لا يعنيان الضعف أو التردد، بل يعكسان ثقة دولة راسخة بمؤسساتها وقادرة على حماية أمنها وإنفاذ قانونها. فالاعتدال خيار الأقوياء، وهيبة الدولة لا تصنعها الشعارات، بل يحفظها العدل، وتصونها المؤسسات، وتحرسها إرادة وطنية لا تنكسر.
وفي استحضار دماء الشهداء، تتجلى رسالة أخلاقية وإنسانية تتجاوز الإدانة إلى المسؤولية؛ فحرمة الدم الإنساني وصون دور العبادة وحماية الأبرياء قيم دينية ووطنية لا تقبل التمييز أو الانتقاص. وقد أثبت الأردن أن الأخوّة الإسلامية المسيحية ليست شعارًا عابرًا، بل جزء أصيل من هويته الوطنية، وأن الإرهاب، مهما حاول بث الفرقة والكراهية، لن يتمكن من اختراق نسيج اجتماعي تشكّل على قيم التعايش والتكافل واحترام الإنسان.
ولعل الرسالة الأعمق في الخطاب تكمن في التأكيد على وعي المواطن بوصفه ركيزة أساسية للأمن الوطني؛ فالقوة الأمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمواجهة التطرف، ما لم تسندها مناعة فكرية ومجتمعية تحصّن الأجيال من التضليل والكراهية. ومن هنا، فإن مسؤولية مواجهة الإرهاب تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والصحية، من خلال بناء الوعي وتعزيز التفكير الناقد وترسيخ قيم المواطنة والحوار واحترام الآخر. فالأمن يحمي المجتمع من خطر الإرهاب، والوعي يحميه من الأفكار التي تمهّد له.
وفي البعد المؤسسي، فإن خطاب العرش السامي يمثل رسالة عمل لا تقف عند حدود الإشادة والاعتزاز، بل تستوجب ترجمة مضامينه إلى سياسات وممارسات تعزز كفاءة المؤسسات وثقة المواطنين بها. فالمناصب العامة مسؤولية وأمانة، وهيبة الدولة تتعزز بسيادة القانون وعدالة القرارات ونزاهة الأداء، كما أن قوة المؤسسات لا تُقاس بحجم صلاحياتها، بل بقدرتها على خدمة الإنسان وحماية حقوقه وتحقيق المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، فإننا في المجلس التمريضي الأردني، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة منى الحسين المعظمة، نستحضر هذه الرسائل الملكية بوصفها التزامًا مهنيًا ووطنيًا، يتجسد في تطوير كفاءة الكوادر التمريضية والقابلات، وتعزيز الوعي والمسؤولية المجتمعية، وترسيخ القيم المهنية والإنسانية، وصون الحياة والكرامة الإنسانية دون تمييز. فالأمن الصحي جزء أصيل من منظومة الأمن الوطني، وحماية الإنسان ليست مسؤولية منفصلة عن حماية الوطن، بل هي جوهرها وغايتها.
إن القراءة المتأنية لخطاب العرش تكشف أن منعة الأردن لا تقوم على قوة الردع وحدها، بل على تكامل مؤسسات الدولة، ووحدة المجتمع، ووعي المواطن، وقدرة الجميع على تحويل التحديات إلى فرص للبناء، والتضحيات إلى مسؤولية، والانتماء إلى عمل وإنجاز.
فالوفاء لدماء الشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بصون الوحدة الوطنية، وحماية الأجيال من التطرف، والإخلاص في أداء الواجب، وترجمة الانتماء إلى عملٍ ومسؤوليةٍ وعطاء. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وجيشه العربي وأجهزته الأمنية ومؤسساته الراسخة، عصيًّا على الإرهاب، ثابتًا في سيادته ومبادئه، قويًّا بوحدة شعبه ووعي أبنائه. فحب الوطن ليس شعارًا يُرفع، بل أمانة تُصان، وانتماء يُترجم إلى مواقف وأفعال، ووفاءٌ لوطنٍ يستحق أن نبذل من أجله كل غالٍ ونفيس.
حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والوحدة والمنعة، ليبقى الأردن شامخًا بقيادته، عزيزًا بأبنائه، راسخًا بمؤسساته، ماضيًا بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخه وتضحيات أبنائه.