في لحظة إقليمية وسياسية دقيقة، يكتسب خطاب العرش السامي أهمية تتجاوز افتتاح دورة جديدة لمجلس الأمة، ليطرح مجموعة من الرسائل حول مستقبل الدولة الأردنية وأولوياتها في المرحلة المقبلة. وما يستحق التوقف عنده في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني هذا العام، ليس فقط ما تناوله من قضايا، بل طبيعة الرسائل التي حملها، وترتيب الأولويات التي عكست توجهاً يستحق قراءة سياسية متأنية.
ما لفت انتباهي في الخطاب هو التأكيد على أن الأمة مصدر السلطات، قبل الانتقال إلى الحديث عن المشاريع الاقتصادية الكبرى والتحديث الاقتصادي. وهذا الترتيب يستحق التوقف عنده؛ فالتنمية الحقيقية تستمد مشروعيتها من الناس، وثقة المواطنين هي الأساس الذي تقوم عليه المشاريع الوطنية الكبرى واستمراريتها.
هنا تبرز العلاقة بين الديمقراطية والتنمية؛ فالمواطن ليس مجرد مستفيد من المشاريع الاقتصادية، بل يجب أن يكون شريكاً في تحديد أولوياتها، ومراقبة تنفيذها، وضمان انعكاس نتائجها على حياته، بعيداً عن اختزال التنمية في أرقام ومؤشرات اقتصادية لا يشعر المواطن بأثرها.
ومن هذا المنطلق، أجد أن الخطاب يفتح مساحة أوسع للنقاش حول مدنية الدولة وتعزيز المسار الديمقراطي، من خلال التأكيد على الحريات، وسيادة القانون، ودور المؤسسات، وأن الوظيفة العامة تكليف لخدمة المواطنين، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أياً كان موقعه أو نفوذه.
وفي سياق آخر، جاء تأكيد جلالة الملك على مواجهة الإرهاب والتطرف، في ظل التحديات والأحداث الأخيرة التي شهدها الأردن، ليضعنا أمام ضرورة عدم الاكتفاء بالمواجهة الأمنية، على أهميتها، بل التعامل أيضاً مع جذور التطرف الفكري والحاضنات التي تنتجه وتعيد إنتاجه.
فمحاربة الإرهاب لا تكتمل دون حماية المجتمع من الفكر المتطرف، وتعزيز ثقافة المواطنة والتعددية وقبول الآخر، وترسيخ الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ولا مكان فيها للإقصاء أو التحريض أو تكفير المجتمع.
كما أن حديث جلالته عن المشاريع الكبرى، والأمن المائي، والتحديث الاقتصادي، يعيد التأكيد على أن مستقبل الأردن يحتاج إلى مشروع تنموي متكامل، تكون فيه العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتوزيع مكتسبات التنمية جزءاً أساسياً من معادلة النجاح.
أقرأ في خطاب العرش هذا العام مساحة لمرحلة سياسية أكثر انفتاحاً على مفاهيم الدولة المدنية الديمقراطية، وربطاً أوضح بين الشرعية الشعبية والتنمية الاقتصادية والحريات العامة. ولا يعني ذلك أن التحول قد تحقق، لكنه يضع أمامنا فرصة ومسؤولية في آن واحد.
وهنا تقع المسؤولية على الأحزاب والقوى السياسية ومجلس الأمة والحكومة؛ فالمطلوب ليس الاكتفاء بالترحيب بالتوجيهات الملكية، بل تقديم برامج وتشريعات ومواقف قادرة على ترجمتها إلى واقع.
إن بناء الدولة المدنية الديمقراطية لا يتحقق بالشعارات، ولا بالتحديث الاقتصادي وحده، بل بتكامل الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبوجود مواطن يمتلك حق المشاركة والتعبير والمساءلة.
فالأردن الذي نريده دولة قوية بمؤسساتها، آمنة بوحدتها الوطنية، ديمقراطية بحياتها السياسية، وعادلة في توزيع فرصها ومكتسباتها. وهذه ليست مسارات منفصلة، بل أركان مشروع وطني واحد.