في زمنٍ طغت فيه خوارزميات التفاهة، وتصدّرت فيه "التريندات" العبثية مشهد منصات التواصل الاجتماعي، بات العثور على محتوى يحترم عقل المتلقي أشبه بالبحث عن جوهرٍ أصيل في سوق مزدحم بالضجيج. وسط هذا الركام الرقمي، يبرز اسم الإعلامي والكاتب محمد ضيف الله الشوابكة كحالة استثنائية تعيد إلينا اليقين بأن الكلمة الراقية ما زالت قادرة على انتزاع مكانتها، وأن للإعلام الحقيقي رجالاً يرفضون الانصياع لثقافة القطيع.
إن المتتبع لما يقدمه الشوابكة يدرك منذ اللحظة الأولى أنه ليس أمام صانع محتوى عابر، بل أمام إعلامي من الطراز الرفيع وكاتبٍ قلّ نظيره، يمتلك ناصية اللغة ويطوّع المفردة ببراعة لافتة. هذا التميز لم يأتِ من فراغ؛ فالرجل يجمع في شخصيته بين رصانة العمل الإعلامي المؤسسي —بصفته ناطقاً إعلامياً ومديراً للعلاقات العامة والإعلام— وبين رهافة الحس الأدبي لكاتبٍ يصوغ النثر بعمقٍ فلسفي وإنساني يأسر القلوب قبل الأسماع.
ويتجلى هذا النضج الفكري والإعلامي في أبهى صوره عبر برنامجه اللافت "للحقيقة وجهان"؛ هذا العمل الذي لا يكتفي بطرح القضايا من قشورها، بل يغوص في جذورها، مفككاً السائد ومسلطاً الضوء على الزوايا التي يغفل عنها الكثيرون. بأسلوبه الرصين، ونبرة صوته الواثقة، ولغته السليمة الخالية من التكلف، ينجح الشوابكة في كل حلقة في تحويل الدقائق المعدودة إلى وجبة فكرية وبصرية دسمة.
ولعل الشاهد الأبرز على هذه العبقرية في الطرح والكتابة، ما قدّمه في حلقته الاستثنائية حول "الكرك وحادثة حمود". فبينما يتناول الآخرون مثل هذه الأحداث الأليمة بلغة خبرية جافة أو شعارات مستهلكة، ذهب الشوابكة ليصوغ منها ملحمةً تاريخية ووطنية مهيبة. لقد استهلّ نصه بضربةٍ بلاغية كاشفة حين قال: "أكبرُ خطيئةٍ يرتكبها العدو الغريب، أو المتطرف الأعمى.. هي حين يظن أن اختلاف المئذنة والجرس في هذه الأرض، يمكن أن يكون ثغرةً يمرّ منها القتلة!.. فالمسلم والمسيحي فوق ترابِ الأردن لم يكونا يوماً جارين يتبادلان المجاملات.. بل كانا عبر التاريخ جنديين في خندقٍ واحد، في وجه عدوٍّ واحد!".
لم يتوقف إبداع الشوابكة في تلك الحلقة عند حدود الوصف، بل استدعى التاريخ ببراعة الباحث والأديب؛ ليربط بين انكسار أوهام "أرناط" على أسوار قلعة الكرك في القرن الثاني عشر، وبين انكسار يد الإرهاب الغادر في بلدة "حمود" اليوم. وفي ذروة النص، قدّم الشوابكة واحدة من أبلغ الجمل التي كُتبت في تفكيك الفكر المتطرف ومقارعته بالحجة والنص المقدس، حين زاوج بين آيات القرآن الكريم وكلمات السيد المسيح في الإنجيل، قائلاً بعبارةٍ تُدرّس في فنون الكتابة الإعلامية: "هنا تزاوجت النصوص.. فصار الإنجيلُ سيفاً يفضح الغزاة، والقرآنُ درعاً يحمي الكنيسة!".
وصولاً إلى تصويره البديع لوحدة الحال والدم في "حمود"، ووقفة القائد المهيبة، ليختم بقاعدته الذهبية التي تلخص فلسفة برنامجه: "إن الكرك التي قاتلت أولاً وتقاتل اليوم، تثبت أن من وحّدتهم الأرضُ والدم، لا تفرّقهم رصاصةُ غدر!".
إن هذا المستوى الرفيع من الكتابة والأداء الذي يقدمه محمد ضيف الله الشوابكة يضعنا اليوم أمام تساؤل قوي ومشروع، بل ومؤلم في آنٍ واحد: كيف لا تتصدر مثل هذه المواهب الفذة شاشاتنا الفضائية ومنصاتنا الإعلامية الكبرى؟
أليس من المفارقة أن تمتلك الساحة خامة إعلامية تجمع بين الكاريزما، والثقافة التاريخية والدينية العميقة، والقدرة على الإعداد والكتابة الأدبية والإلقاء المؤثر، بينما تظل الشاشات الكبرى أسيرة لوجوه تفتقر لأدنى مقومات الحضور واللغة؟
إن تجربة الشوابكة في "للحقيقة وجهان" هي دعوة صريحة لصنّاع القرار الإعلامي لإعادة النظر في معايير الاستقطاب، والالتفات إلى الطاقات الحقيقية التي تصنع الوعي وتحمي الجبهة الداخلية بالكلمة الرصينة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى محمد ضيف الله الشوابكة، بقلمه الحر وصوته الهادر بالحق، برهاناً حياً على أن الإبداع الحقيقي يفرض هيبته، ولو في زمن الضجيج.