اليرموك وتيشك الدولية تفتحان آفاقا جديدة للبحث العلمي..
مؤتمر دولي يضع استدامة المستقبل في صدارة الأولويات
نيروز – محمد محسن عبيدات
لا يمثل اختتام المؤتمر الدولي «خمسون عاما من التميز: تقارب
العلوم من أجل مستقبل مستدام»، الذي نظمته جامعة اليرموك بالشراكة مع جامعة تيشك الدولية
في إقليم كردستان العراق، مجرد نهاية لفعاليات أكاديمية، بل يشكل محطة مهمة في مسار
تعزيز التعاون العلمي الدولي، وإعادة توجيه البحث العلمي نحو معالجة التحديات التي
تواجه المجتمعات، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التكنولوجيا
والبيئة والطاقة والصحة والأمن الغذائي.
وتبرز أهمية المؤتمر، الذي شهد مشاركة باحثين من 13 دولة
ومناقشة 92 ورقة وملصقا علميا، في تأكيده أن التحديات المعاصرة لم تعد قابلة للمعالجة
من خلال التخصصات العلمية المنفردة، بل تحتاج إلى تكامل المعارف وتبادل الخبرات وتوحيد
الجهود البحثية، بما يفتح المجال أمام حلول أكثر فاعلية واستدامة، ويعزز قدرة الجامعات
على مواكبة المتغيرات العالمية.
ويكتسب المؤتمر دلالة إضافية لتزامنه مع احتفالات جامعة اليرموك
باليوبيل الذهبي، بما يحمله ذلك من ارتباط بين خمسة عقود من المسيرة الأكاديمية والتطلعات
نحو مرحلة جديدة يكون فيها البحث العلمي أكثر ارتباطا بأولويات التنمية واحتياجات المجتمع.
فمكانة الجامعات لا تقاس بالتعليم وتخريج الكفاءات فحسب، وإنما بقدرتها أيضا على إنتاج
المعرفة وتوظيفها في تطوير الاقتصاد وتحسين جودة الحياة.
ومن أبرز الأبعاد التي يطرحها المؤتمر ضرورة الانتقال بالبحث
العلمي من حدود النشر الأكاديمي إلى ميادين التطبيق العملي، من خلال تحويل النتائج
البحثية إلى ابتكارات وتقنيات ومشروعات إنتاجية، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاعين
الصناعي والإنتاجي، وتوفير بيئة داعمة للباحثين الشباب، بما يسهم في بناء اقتصاد قائم
على المعرفة ويفتح آفاقا جديدة أمام فرص العمل والاستثمار.
كما تعكس محاور المؤتمر، التي شملت الفيزياء والعلوم الكيميائية
والبيولوجية وتكنولوجيا النانو والرياضيات وعلوم البيانات وعلوم الأرض والبيئة، اتساع
الدور الذي تؤديه العلوم الأساسية والتطبيقية في التعامل مع قضايا حيوية، مثل شح المياه
والتغير المناخي والتلوث البيئي والطاقة المستدامة والأمن الغذائي، فضلا عن الاستفادة
من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والمواد المتقدمة في تطوير حلول علمية للمشكلات
الراهنة والمستقبلية.
ويمثل التعاون بين جامعة اليرموك وجامعة تيشك الدولية نموذجا
للشراكة الأكاديمية العابرة للحدود، بما تتيحه من فرص لتبادل الخبرات، وبناء شبكات
بحثية مشتركة، وتطوير مشروعات علمية قادرة على الاستفادة من الإمكانات والخبرات المتاحة
لدى المؤسسات المشاركة. كما أن توسيع هذه الشراكات من شأنه تعزيز حضور الجامعات الأردنية
في منظومة البحث العلمي الدولية، وتوفير فرص أوسع أمام الباحثين والطلبة للانخراط في
مشاريع علمية مشتركة.
وفي المحصلة، فإن القيمة الحقيقية للمؤتمر لا تتوقف عند عدد
الدول المشاركة أو الأوراق العلمية المقدمة، على أهميتها، بل تتصل بمدى القدرة على
البناء على مخرجاته، وتحويل الأفكار المطروحة إلى برامج تعاون ومشروعات بحثية وتطبيقات
عملية قابلة للقياس. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى علم منتج، وجامعات منفتحة على محيطها،
وشراكات تحول المعرفة إلى قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد.
وبهذا المعنى، يشكل المؤتمر رسالة واضحة بأن مستقبل العلوم
لا يقوم على تراكم المعرفة وحده، بل على تكاملها وتطبيقها، وأن الاستثمار في البحث
العلمي والشراكات الدولية يمثل أحد المسارات الأساسية لمواجهة التحديات العالمية وبناء
مستقبل أكثر استدامة للأجيال المقبلة.