ليس المُفلِس وطنيًّا من اختلف في الرأي، ولا من مارس حقّه في النقد والمعارضة، وإنما من فقد القدرة على التمييز بين المعارضة المسؤولة والارتهان، وبين النقد البنّاء والتشويه الممنهج، حتى أصبح أسير العاطفة المنفلتة، ينساق خلف شعارات براقة وبطولات افتراضية تصنعها منصّات مضلّلة، وتروّج لها حسابات تتخفّى خلف مسمّيات عشائرية وأكاديمية، لتمنح نفسها شرعية زائفة، وتوهم المتلقّي بأنها تعبّر عن نبض المجتمع واتجاهاته.
إن صناعة الرأي العام المزيّف لم تعد أمرًا عفويًّا في فضاء التواصل الاجتماعي؛ فهناك من يوظّف الهاشتاغات، ويُنسّق حملات النشر، ويُعيد تدوير الرسائل ذاتها، ويُضخّم التفاعل عبر شبكات من الحسابات المتشابكة، في محاولة لصناعة انطباع مضلّل بأن رأيًا بعينه يمثّل الأغلبية، وأن سردية محدّدة هي الحقيقة المطلقة. وهنا تكمن خطورة التضليل: ليس في تكرار الرسالة فحسب، بل في تحويل الوهم، بكثافة التكرار، إلى حقيقة يتلقّاها البعض دون تمحيص أو مساءلة.
والأخطر أن يتحوّل بعض أبناء المجتمع، بوعي أو بغير وعي، إلى أدوات في معارك لا يدركون كامل أبعادها، وأن تُستدرج العواطف الوطنية والعشائرية لتكون غطاءً لخطابات تخدم أجندات لا تعبّر بالضرورة عن مصالح الأردن ولا عن تطلّعات أبنائه. فليست كل صفحة تحمل اسم عشيرة صوتًا للعشيرة، ولا كل حساب يتزيّا بصفة أكاديمية مصدرًا للمعرفة، ولا كل هاشتاغ متصدّر دليلًا على إجماع شعبي. فالحقيقة لا تُقاس بضجيج المنصّات، والشرعية لا تُمنح بكثرة الحسابات، والوطن أكبر من أن يُختزل في حملة إلكترونية عابرة.
الأردن مستهدف، والوعي بحقيقة ما يجري من حولنا مسؤولية وطنية لا ترفًا فكريًّا. ومن يتابع التحوّلات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير، وما رافق الحروب والصراعات من حملات إعلامية وحروب روايات واستقطاب سياسي، يدرك أن استهداف الدول لا يقتصر على حدودها وأمنها، بل يمتد إلى وعي مجتمعاتها، والثقة بمؤسساتها، ومحاولة إرباك مواقفها الوطنية وإضعاف قدرتها على التماسك. وليس من الحكمة أن نمنح كل رواية متداولة صكّ الحقيقة، أو أن نقرأ كل خلاف باعتباره مؤامرة، بل أن نحتكم إلى الوقائع، ونُخضع الخطاب للفحص، ونميّز بين المعلومة الموثوقة والدعاية الموجّهة.
ونحن، إذ نؤكد حقّنا في النقد والمساءلة، لا نحتاج إلى شهادة من أحد في حرصنا على وطننا. نعرف أن الواجب الوطني لا يُسقط حقّ المواطن في المطالبة، ولا يمنح المسؤول حصانة من النقد، ولا يجعل من الإشارة إلى الخلل خروجًا عن الصف. بل إن النقد المسؤول ضرورة للإصلاح، والمطالبة بالحقوق واجب، وتسمية المشكلات بوضوح خطوة أولى نحو معالجتها، وتقديم الحلول هو ما يمنح الخطاب قيمته العملية.
لكننا نعرف، في المقابل، أن النقد الحقيقي لا يُقاس بحدّة العبارة، ولا بعدد الإعجابات، ولا بحجم التصفيق، ولا بالألقاب التي تُمنح في فضاء افتراضي. إنما يُقاس بصدق الموقف، ودقّة المعلومة، وسلامة التوقيت، وواقعية الطرح، والقدرة على الانتقال من تشخيص المشكلة إلى اقتراح الحل. فليس كل من رفع صوته أكثر حرصًا، ولا كل من اتّهم أكثر وطنية، ولا كل من اتخذ من جلد الدولة وسيلةً للظهور أصبح صاحب موقف أو مشروع إصلاحي.
إن الفارق شاسع بين من يريد إصلاح الخلل، ومن يتخذ من الخلل ذريعةً لتوسيع الشروخ؛ بين من يطالب الدولة بأداء أفضل، ومن يسعى إلى الانتقاص من مكانتها ودورها؛ وبين من يختلف مع قرار أو موقف، ومن يحوّل الاختلاف إلى حملة تشكيك تستهدف الدولة بأكملها.
فالقضية أكبر من شكرٍ يُقال، أو موقفٍ يُصفّق له؛ إنها مسألة احترام لدور دولة، وتقدير لمكانتها، وقراءة مسؤولة لمواقفها في إقليم لا تُدار صراعاته بالنوايا وحدها. فالأردن ليس دولة هامشية في معادلات المنطقة، ولا كيانًا عابرًا في حسابات السياسة، بل دولة لها مؤسساتها واعتباراتها السيادية، ولها مواقفها وتحدّياتها ومسؤولياتها. ومن حقّنا أن نناقش أداءها ونطالبها، لكن ليس من الإنصاف أن نختزل مواقفها في روايات مبتورة، أو أن نتجاهل تعقيدات المشهد، ثم نُصدر الأحكام وفق ما تُمليه العاطفة أو تروّجه الحملات.
وكما تقول العرب: «الطولة كشّافة»؛ فالمواقف الكبرى تكشف معادن الرجال، وتُظهر حقيقة الخطابات حين تنتقل من الادّعاء إلى الاختبار. وعند المنعطفات الصعبة، لا يكفي أن يرفع المرء شعار الوطن، بل يُمتحن صدق انتمائه في قدرته على التمييز بين مصلحة الدولة ومصالح الآخرين، وبين الموقف المبدئي والاستثمار السياسي، وبين التضامن الحقيقي ومحاولات توظيف القضايا العادلة لخدمة حسابات لا علاقة لها بجوهرها.
وفي مقدّمة ثوابتنا الوطنية، تقف القضية الفلسطينية؛ قضيةً مركزيةً لا تقبل المساومة في وجدان الأردنيين وموقف الدولة الأردنية، بما تمثّله من حقّ الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. وهذا الثابت لا يحتاج إلى مزايدة، ولا يُقاس بعلوّ الشعارات، ولا يُختزل في حملات التشكيك. فالمواقف تُوزن بما تحقّقه من أثر، وبما تستند إليه من ثوابت، وبما تحمله من مسؤولية تجاه فلسطين والأردن معًا.
ومن هنا، فإن رفضنا للارتهان لا يعني رفض الاختلاف، ورفضنا للتضليل لا يعني مصادرة الآراء، وتمسّكنا بالدولة لا يعني تعطيل المساءلة. إنما نرفض أن تتحوّل الوطنية إلى قناع، وأن تُستغلّ العاطفة الدينية أو القومية أو العشائرية لتسويق أجندات خارجية، وأن يُقدَّم الولاء لجهة أو محور على حساب مصلحة الأردن العليا. فالوطن ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا منصّةً لتوزيع صكوك الوطنية، ولا مطيّةً لمشروعات تتبدّل شعاراتها فيما تبقى غاياتها بعيدةً عن مصالح أبنائه.
أما الذين يتخذون من الدين ستارًا لتبرير الاصطفافات، أو من الشعارات الثورية وسيلةً لتسويق الأوهام، فإن المعيار الذي يحكمنا ليس الأسماء ولا الادّعاءات، بل الأفعال والوقائع والنتائج. فلا قداسة لخطاب سياسي، ولا حصانة لمحور أو تنظيم، ولا قيمة لشعار يتقدّم على أمن الأردن وسيادته واستقراره. فالولاء الحقيقي لا يُقاس بمقدار ما يهاجم المرء خصومه، بل بقدر ما يحفظ وطنه من العبث، ويصون قراره من الارتهان، ويضع مصلحة شعبه فوق كل اعتبار.
إن الأردن الذي صمد أمام عواصف المنطقة لا يحتاج إلى ضجيجٍ موسميّ يزايد على وطنيته، بل إلى وعيٍ يحميه، ونقدٍ يبنيه، ومواطنٍ يدرك أن قوة الدولة من قوة مؤسساتها، وأن إصلاحها مسؤولية مشتركة، وأن الاختلاف في الرأي لا يبرّر العبث بثوابتها ولا الانتقاص من سيادتها.
نختلف، وننتقد، ونطالب، ونحاسب؛ لكننا لا نُضلَّل، ولا نُستدرَج، ولا نسمح بأن تتحوّل قضايا الوطن إلى أدوات في أيدي أصحاب الأجندات.
الأردن أولًا، وسيادته فوق المساومات، وثوابته ليست مجالًا للمزايدة، ووعيه الوطني خطّ دفاعه الذي لا يجوز التفريط به. فمن أراد الإصلاح فليقدّم الحجة والحل، ومن أراد النقد فليحتكم إلى الحقيقة، ومن أراد الحديث باسم الوطن فليثبت أن مصلحة الأردن عنده مقدّمة على كل ولاء آخر.
فالوطن ليس شعارًا نرفعه حين نختلف، بل مسؤولية نحملها حين تُختبر المواقف، وموقفٌ ثابت حين تختلط الأصوات، وبوصلةٌ لا يجوز أن تنحرف مهما اشتدّت العواصف.